السعودية والذكاء الاصطناعي

السعودية والذكاء الاصطناعي

الخميس - 6 محرم 1441 هـ - 05 سبتمبر 2019 مـ رقم العدد [14891]
إميل أمين
- كاتب مصري
كيف يمكن للمرء أن يقرأ الأمر الملكي الذي صدر قبل عدة أيام والخاص بإنشاء مركز وطني للذكاء الصناعي وإدارة البيانات الوطنية؟
باختصار غير مخل، يمكن القطع بأن المملكة تقفز قفزة هائلة في طريق المستقبل، حيث يمثل هذا الذكاء نفط القرن الحادي والعشرين، ذاك الذي لا ينضب ولا يضمحل.
أقرب مفهوم مقبول وشائع لتعريف الذكاء الاصطناعي هو العمل الذي تقوم به الآلات، وفي مقدمتها أجهزة الكومبيوتر، عوضاً عن البشر، مع الأخذ في عين الاعتبار أن العنصر البشري يبقى هو السيد دون منازع، الذي يسخرها لخدمته، ويوجهها حيث توجد المصلحة.
قبل أن ينصرم العام الماضي كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير في تصريحات مثيرة إلى أن «من تكون له الريادة في عالم الذكاء الاصطناعي، سوف يضحى سيد العالم من دون جدال».
كشفت تصريحات الثعلب الروسي عن ميدان الحرب الأممية الجديدة، إنها حرب المعلومات، بأكثر منها المواجهة بالأسلحة التقليدية المعروفة على مختلف أنواعها.
لم يكن للرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يترك غريمه الروسي ليتفوق في هذا الميدان، ولهذا وقّع الرجل أمراً تنفيذياً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ينص على تخصيص مزيد من الموارد والاستثمارات من قبل الوكالات الاتحادية لدعم البحوث والتدريب في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
ما الذي يعنيه الأمر الملكي السعودي الأخير في هذا السياق؟
يمكن القطع بأن المملكة بتوجيهات خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز باتت تدرك أي عصر تعيش فيه. إنه عصر الابتكار والإبداع، لا زمن الاتباع والعوائد الريعية. زمن النمو غير المحدود، لأولئك الذين سيقدر لهم أن يقبضوا على دوائر الذكاء الاصطناعي بقبضة علمية وتكنولوجية ساحرة، تستجلب رؤى خلاقة تفتح أبواباً ومجالات للعمل، لا سيما للأجيال القادمة، لم يكن لأحد معرفة بها أو دراية عنها.
يأتي القرار الملكي ضمن رؤية وتوجه شاملين يسعيان لتحقيق نهضة إنسانوية واقتصادية حقيقية عبر خطة ورؤية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ولعل الذين قدر لهم الاستماع إلى بعض مداخلات أمير الابتكار في قمة مجموعة العشرين الأخيرة التي عقدت في «أوساكا» في اليابان، يدرك أنه العقل المفكر لهذا الطرح العملاق القادر على أن ينقل المملكة إلى مصاف الدول الكبرى كروسيا وأميركا اللتين تتباريان في هذا الميدان الواسع.
يدرك الأمير محمد أن التقنيات الجديدة هي محركات القرن الحالي وما يليه، وفي المقدمة منها الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، ويرى أنه في حال تم استخدامها على النحو الأمثل، فإنها قادرة على أن تجلب فوائد ضخمة للعالم برمته.
رؤية المملكة لا توفر اليقظة المطلوبة لمتابعة التحديات الجديدة التي يمكن أن تصاحب المخترعات الأحدث، والتعاطي معها بأساليب علمية تعظم المنافع والمكاسب، وتقلص من احتمالات الخسائر والإشكاليات التي لا بد منها. فعلى سبيل المثال سوف يصاحب الذكاء الاصطناعي موجات من الماورائيات السلبية كمخاطر الأمن السيبراني، وطرق تدفق المعلومات، ما يجعل من مخاوف حدوث أزمات اقتصادية واجتماعية أمراً وارداً، ولهذا فإنه يتوجب على الدولة القومية أن تبادر إلى ملاقاة تلك العوارض والقضاء عليها، وحتى لا تفقد الأثر الإيجابي والجيد ومردوده على حياة مواطنيها.
تسعى المملكة عبر القرار الأخير هذا إلى الارتقاء بشبكاتها المعلوماتية لتكون الأساس الذي ينبني عليه اقتصاد المعرفة التقدمي، والذي يتطور يوماً تلو الآخر بصورة تراكمية، ما يجعله في مصاف الاقتصادات القائمة على أسس تكنولوجية متقدمة، منظومة تتسق وثورات العالم البيانية، حيث المعلومات هي عصب الاقتصاد الداعم والزاخم لبقية فروع الاقتصاد والموارد البشرية التقليدية.
الأرقام في واقع الأمر لا تكذب ولا تتجمل، إنها تعكس حقائق مجردة، وما لدى المملكة من بيانات يساوي أكثر من تريليون دولار مرشحة لأن تكون قيمة مضافة لاقتصاد المملكة. وبحسب دراسات حديثة، فإن تقنيات الذكاء الاصطناعي تضيف إلى اقتصاد المملكة 215 ملياراً بحلول عام 2035.
لم تعد المشروعات القومية العملاقة اليوم حول العلم تقوم على أسس من الحسابات التقليدية القديمة، فقد باتت منظومات الذكاء الاصطناعي، هي الأدوات المسيطرة في واقع الأمر على كل ما هو جديد، وميزتها الكبرى أنها تضفي نجاحات جوهرية، ومن هنا يمكن أن ينظر القارئ إلى مشروع نيوم السعودي على أنه أحد أهم التطبيقات السعودية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يحقق رؤية المملكة 2030، التي تهدف ضمن بنودها إلى الانتقال إلى عالم الإبداع والابتكار عبر التطور التكنولوجي.
وفي كل الأحوال لا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي مجرد رؤية مستقبلية، ولكنه بالأحرى حقيقة قائمة وقادمة في عالمنا اليوم، حيث يدمج ويستخدم في مجموعة متنوعة من القطاعات، تبدأ من عند قطاع المال والأعمال والأمن القومي والرعاية الصحية، وتصل إلى العدالة الجنائية والنقل والمدن الذكية، وهناك الكثير من الأمثلة التي يؤثر فيها الذكاء الاصطناعي بالفعل على العالم، ويعزز القدرات البشرية بطرق ملموسة... إنه طريق سادة العالم الجدد.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة