جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

شبح فيلبي يعاود الظهور

كيم فيلبي، اسم يرفض الإمحاء من الذاكرة البريطانية. يختفي فترة ليظهر بعدها طافياً على السطح كشبح مخيف من الماضي كأنه يؤكد أن الخيانة لا تموت ولا تُمحى وأنها ليست حكراً عليه أو علامة تخصّه، بل هي جزء من مكونات أي واقع سياسي في أي بلد. هذه المرة ظهر اسمه على السطح بعد مرور أيام قليلة على انبثاق الأزمة بين لندن وواشنطن حول التقارير الدبلوماسية المسرَّبة من أرشيف الخارجية البريطانية والتي أدت في النهاية إلى استقالة السفير البريطاني السير كيم داروك، من منصبه سفيراً لبلاده في واشنطن.
التاريخ ملاذ غير آمن للذين يسعون جاهدين للهروب والاختفاء من ذاكرات شعوبهم. وفيلبي كان يعرف ذلك، لكونه عضواً في نادٍ متميز من الرجال والنساء الذين كوّنوا النخبة البريطانية الحاكمة. والتاريخ، أيضاً، ليس طرفاً محايداً في الأزمات والنزاعات. وفيلبي لم يكن محايداً، واختار الانحياز، بوعي، إلى خياراته السياسية، مدركاً، منذ البداية، أنه بذلك يطعن بلاده بسكين الخيانة في مقتل، فلم يتردد، وألقى بكامل ثقله في ميزان العدو.
فيلبي مات منفياً في موسكو عام 1988، بعد قرابة خمسة وعشرين عاماً على فراره إليها من بيروت، لدى اكتشاف أمره بالتورط في العمالة مع الأجهزة المخابراتية السوفياتية، سابقاً، حيث مُنح حق اللجوء السياسي والمواطَنة السوفياتية. فظلّ هناك في شقة صغيرة تحت رقابة أمنية صارمة حتى وافته المنية. فاختفى جسداً وبقي اسمه عنواناً بارزاً لأسوأ فضيحة تعرضت لها الأجهزة الأمنية السرية البريطانية في تاريخها، وظلت روحه شبحاً مخيفاً يختفي فترة ليظهر بعدها على السطح طافياً، معيداً إلى الأذهان ما لا تودّ تذكُّرَه من تفاصيل موجعة.
بعد نيله شهادة التخرج في الاقتصاد من جامعة كمبريدج التجأ إلى العمل في الصحافة. وقادته الظروف للسفر إلى عواصم عديدة. مدريد، إحداها، حيث ظل يوافي الصحف البريطانية بأخبار الحرب الأهلية. المفارقة أن الجنرال فرانكو منحه وسام الجدارة العسكرية، بعد نجاته من موت محقق لدى تعرضه ومجموعة من الصحافيين البريطانيين لقذيفة هاون. فرانكو، كان، مثل الأجهزة الأمنية البريطانية والأميركية، لا يعرف أن فيلبي يساري الهوى ماركسي العقيدة، وعميل للمخابرات السوفياتية. مدريد كانت محطة أولية، وموسكو الأخيرة، وفي الما بين قاد فيلبي حياة متقلبة، في مسارب الأجهزة السرية البريطانية والسوفياتية ودهاليزها، ونجح في أداء ما أوكل إليه من مهام، في مختلف العواصم، لكن النجاح في ذلك العالم السري، محفوف بالمخاطر، ومشروط بالولاء. وكان فيلبي يعرف ذلك، ويعرف، تماماً، أن طريق الخيانة قصير، وأن أمره، لا محالة، سيُكشف.
في عام 1981 وخلال محاضرة ألقاها في برلين في مقر المخابرات الألمانية الشرقية، سابقاً (ستازي)، أرجع فيلبي فشل الأجهزة الأمنية البريطانية في كشف أمره إلى أنه في جزء كبير منه يعود إلى النظام الطبقي البريطاني، حيث كان الجميع يعتقدون أنه من غير المتخيَّل أن يكون شخص «مولود داخل الطبقة الحاكمة للإمبراطورية البريطانية خائناً»، موضحاً أن ذلك يعود إلى اللامهنية القابعة في طبيعة المؤسسة الأمنية البريطانية، وما سيخسره العديدون من ضباط المخابرات الخارجية (إم آي 6) إذا ثبت أنه جاسوس.
وها هو فيلبي، الاسم والتاريخ والمعنى، يطفو، هذه الأيام، بين سطور التقارير الإعلامية المتعلقة بتسريب وثائق سرية كانت السبب وراء أزمة سياسية خارجية مع دولة عظمى وحليف تاريخي، الأمر الذي استدعى طلب تدخل الأجهزة الأمنية للتحقيق في التسريبات ومن يقف وراءها، والأسباب التي دعت إلى ذلك، ومَن المستفيد من ورائها.
واستناداً إلى تقارير إعلامية صادرة مؤخراً، فإن مصادر موثوقة بالأجهزة الأمنية أكدت وصولها إلى الفاعل، وأنها في انتظار تقديمه للعدالة، متى تم الانتهاء من وضع ملف كامل بالأدلة والبراهين أمام القضاء.
في البداية، كان هناك خوف من أن يكون وراء تسريب الوثائق إلى الصحافة جهات أجنبية تمكنت إلكترونياً من اختراق الأرشيف الدبلوماسي السرّي في وزارة الخارجية والكومنولث. لكنّ التحقيقات وصلت إلى قناعة باستبعاد هذا العامل الخارجي، بعد أن تأكد لها أن الفاعل موظف بريطاني مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قام بتصوير الوثائق وتقديمها إلى صحافية بصحيفة «الميل أون صنداي»، قامت بنشرها حصرياً.
المصادر الأمنية وصفت الفاعل بأنه «كيم فيلبي مناصر لـ(بريكست)».
وقال مصـدر سياسي: «هناك خوف من شبيه لكيم فيلبي، لأسباب مالية أو عقائدية، سرّب وثائق أدت، فعلياً، لإنهاء حياة مهنية لأشخاص ليسوا متعاطفين مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».
أصابع الاتهام الأولية، وفقاً لتلك التقارير، تشير إلى وجود مؤامرة تقف وراءها شخصيات سياسية ذات علاقة بحزب «بريكست»، والهدف استبعاد السفير داروك من منصبه في واشنطن، وإحلال بديل مكانه مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن خارج الجهاز الدبلوماسي البريطاني الرسمي. تبيَّن، أيضاً، أن الصحافية التي نشرت الوثائق على علاقة عاطفية بشخصية بارزة في حزب «بريكست».
أشباح الزمن الماضي تعود إلى الظهور، لتثقل الزمن الحاضر بأثقالها، وتعيق طريقه بما في أحمالها من مخاوف ومواجع، ومخاطر على المستقبل.