جيبوتي... الموقع الاستراتيجي والتوازن السياسي

جيبوتي... الموقع الاستراتيجي والتوازن السياسي

الخميس - 23 شوال 1440 هـ - 27 يونيو 2019 مـ رقم العدد [14821]
ضياء الدين سعيد بامخرمة
سفير جيبوتي لدى السعودية
بموقعها الجغرافي المتميز المطل على مضيق باب المندب، وبسياستها الحكيمة وعلاقاتها المتوازنة، اشتهرت جمهورية جيبوتي، الدولة العربية الإسلامية الواقعة بشرق أفريقيا، فصارت واحة سلام في محيط مشتعل، وعاملاً مهماً من عوامل حفظ الأمن والاستقرار الدوليين.
تأتي الذكرى الـ42 لنيل الاستقلال الوطني، التي توافق اليوم 27 يونيو (حزيران)، وجيبوتي نجحت سياسياً في بناء دولة عصرية قادرة على التأقلم مع المتغيرات والمستجدات الإقليمية والدولية الراهنة، منفتحة على العالم، تمارس علاقاتها الخارجية مع الدول الشقيقة والصديقة من منطلق الاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب، ومن ثمّ إرساء السلام في العالم. وللتذكير، فقد نالت جمهورية جيبوتي لقب بلد السلام لعام 2018 من قبل منظمة «سلام بلا حدود العالمية»، وما ذلك إلا تتويج لسياسة حكيمة تنتهجها جيبوتي وجهود مشهود لها تبذلها لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقتها والعالم بأسره عبر موقعها الجغرافي المتميز المطل على مضيق باب المندب.
تأتي الذكرى الـ42 لنيل الاستقلال، والإصلاحات الديمقراطية تتصدر قائمة المنجزات التي تحققت على المستوى المحلي، ومنها: تنظيم انتخابات السلطة المحلية ومجالس المحافظات والمجلس التشريعي، وقيام مؤتمرات الحوار لتكون نهجاً يحتذى في الحفاظ على الوئام بين أبناء الشعب الجيبوتي. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن المرأة تمثل 25 في المائة من أعضاء مجلس النواب، كما أن المعارضة ممثلة أيضاً في البرلمان.
وفي المجال التعليمي، فقد اعتنت الحكومة كثيراً ببناء المدارس والمعاهد والارتقاء بكفاءة التعليم، حتى وصل إلى جميع القرى والمديريات ليتسنى للجميع أخذ حقهم منه، يواكبه نظام محو أمية بمراكز خاصة به، ناهيك عن التعليم الفني والمهني، إضافة إلى الاهتمام بالتعليم العالي والبحث العلمي.
كما تم تطوير القطاع الصحي، وقطاعات الزراعة والسياحة واستغلال الثروة الجوفية والمعادن، وأيضاً الثروة السمكية، والقوات المسلحة عدداً وعدة لتكون على أسس علمية حديثة.
وأما عن النهوض بوسائل النقل والمواصلات، فقد تم تجديد خط السكك الحديدية القائم بين جيبوتي وإثيوبيا. كما تم تحقيق تقدم هائل في الموانئ من حيث الكم والكيف، فمن ميناء واحد في العاصمة جيبوتي إلى موانئ عدة، أحدها للحاويات، والآخر نفطي، وثالث متعدد الأغراض... يضاف إلى ذلك ميناء محافظة تاجورا، وميناء بحيرة عسل، والميناء النفطي الجديد، والميناء المخصص لتصدير المواشي.
تأتي الذكرى الـ42 لنيل الاستقلال، وجيبوتي تضم المنطقة الصناعية والحرة الأضخم في شرق أفريقيا، وتشهد ارتفاعاً في مستوى دخل الفرد نتيجة لما تشهده البلاد في الوقت الحالي من حراك تنموي يفتح أبوابه للاستثمارات المحلية والأجنبية.
صحيح أن جيبوتي صغيرة بمواردها الطبيعية وبتعداد سكانها الذي يبلغ نحو مليون نسمة، لكنها عظيمة بموقعها الاستراتيجي وما تشهده موانئها من تبادل تجاري بين مختلف دول العالم، فهي بوابة شرق أفريقيا والجسر الرابط بين القارة السمراء والجزيرة العربية، إضافة إلى إطلالتها على مضيق باب المندب الشديد الأهمية من الناحية الاقتصادية والسياسية. وهذا يجعلنا نكرر الإشارة إلى العلاقات المتوازنة التي تربط جيبوتي بأهم القوى العالمية كفرنسا والولايات المتحدة والصين، وذلك انطلاقاً من الدور المحوري لجمهورية جيبوتي في الحفاظ على الأمن الدولي في منطقة البحر الأحمر، وكذلك العلاقات المتميزة بين جمهورية جيبوتي وأهم القوى الإقليمية والإسلامية، المملكة العربية السعودية الشقيقة التي وقفت إلى جانب جيبوتي ودعمتها في نضالها لنيل الاستقلال، حتى تحقق الاستقلال لجمهورية جيبوتي عام 1977 بعد نضال وكفاح طويلين. ولم تتوقف جهود حكومة المملكة عند حد أن تدعم جيبوتي، البلد العربي المسلم الجار للسعودية، في سبيل استقلاله وإنما أسهمت إسهاماً منقطع النظير في تقديم دعم اقتصادي وسياسي ودبلوماسي وعلمي وتعليمي بعد الاستقلال مباشرة، وساعد هذا العطاء والدعم المقدر والمشكور الدولة الوليدة جمهورية جيبوتي المستقلة حديثاً آنذاك في الوقوف على قدميها قوية شامخة.
وبعد نحو شهر ونصف الشهر من نيل الاستقلال، زار رئيس جمهورية جيبوتي الراحل حسن جوليد أبتدون - رحمه الله - المملكة العربية السعودية وتم استقباله بحفاوة بالغة.
وأشاد الرئيس جوليد بالدور الذي قامت به المملكة في سبيل استقلال جمهورية جيبوتي، قائلاً في تصريح إعلامي قبل مغادرته جدة في النصف الأول من أغسطس (آب) 1977: «إننا مدينون للشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية بتفانيها في خدمة جيبوتي حتى تمكنت من نيل استقلالها». وأضاف أن هذا هو الدور الطبيعي الذي تقوم به المملكة نظراً لما تتمتع به من مكانة سياسية وروحية في العالم العربي والإسلامي، كما أنها كسبت احترام العالم بمناصرتها للحق والعدالة في العالم.
إن الروابط الجيبوتية - السعودية تضرب جذورها في أعماق التاريخ، ولا تزال تشهد قوة ومتانة يوماً تلو آخر، وتتجلى في التعاون المستمر بين الطرفين في مختلف المجالات العسكرية والأمنية والسياسية.
ومع تكرّر زيارات الرئيس إسماعيل عمر جيله للمملكة وتواصله المباشر مع قيادتها، ازدادت العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين قوة ومتانة. ونتيجةً لما تمخضت عنه تلك العلاقة المتميزة؛ فإنه توجد حالياً لجنة أعمال مشتركة تمثل إطاراً عاماً للتعاون الثنائي، تندرج تحته أوجه التعاون السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والتعليمي والثقافي والإعلامي وغيره، وقد عقدت اللجنة أول اجتماعاتها في جيبوتي العاصمة في 2016، بينما أقامت ثاني لقاءاتها في الرياض في 2017، وثالت اجتماعاتها في جيبوتي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، إضافة إلى مجلس الأعمال الجيبوتي - السعودي الذي انعقدت أولى دوراته في جيبوتي في أبريل عام 2018، ودورته الثانية في جيبوتي أيضاً أواخر أبريل الماضي، وهو منتدى اقتصادي يضم ممثلين من كل من الغرفة التجارية الجيبوتية، والغرف التجارية السعودية، ويهدف إلى تعزيز التبادل التجاري والاستثماري.
وعلى المستوى السياسي، ظل التناغم في الرؤى بين قيادتي البلدين الشقيقين السمة السائدة في التعاطي مع مختلف الملفات والأزمات في المنطقة، ومن شواهد ذلك أن جيبوتي كانت أول دولة ساندت الشرعية اليمنية برسالة خطية من الرئيس إسماعيل عمر جيله إلى أخيه الرئيس عبد ربه منصور هادي فور حدوث الانقلاب في صنعاء، كما لبّت جيبوتي بعد ذلك نداء اليمن الشقيق بانضمامها إلى التحالف لدعم الشرعية في اليمن، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى عضوية جيبوتي في التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، وتفاعلها الإيجابي مع فكرة تأسيس مجلس للدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، وكلاهما بقيادة المملكة.
وفي الختام، أكرر التأكيد على أن ما تنعم به جيبوتي من استقرار جعلها واحة خير وأمن وارفة الظلال لمحيطها الإقليمي، تستقبل اللاجئين والهاربين من أزمات الصراعات والحروب بدول الجوار، رغم إمكاناتها المحدودة، كما تتميز بتوازنها السياسي في علاقاتها الدولية، في إطار حراك سياسي عالمي يحمل الكثير من إرهاصات الوفاق والاتفاق والخلاف كذلك بين مصالح دول العالم.
- سفير جيبوتي وعميد السلك الدبلوماسي لدى السعودية

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة