بكر عويضة
صحافي فلسطيني بدأ احتراف الصحافة في ليبيا عام 1968 حيث عمل في صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، ثم «البلاغ» و«الجهاد» في طرابلس. واكب صدور الصحافة العربية في بريطانيا منذ 1978 فعمل في صحيفة «العرب»، ثم مجلة «التضامن»، وبعدها جريدة العرب الدولية «الشرق الأوسط»، كما عمل مستشاراً لصحيفة «إيلاف» الإلكترونية.
TT

تَكاثرَ خلطُ الحق بالباطل

عندما يكثر الخلط، بأي مجال، بين حق بيِّنٍ وباطل ليست تخطئه عين تبصر بلا غشاوة، ليس من المستغرب، حينئذ، إقحام حق حرية التعبير، بباطل إطلاق العنان لحرية الفوضى. وحين يصر أناس على استمراء تصرف كهذا، ربما يصير من واجب العقلاء الاستعانة بفيلسوف الفصل بين السلطات، الفرنسي ذائع الصيت مونتيسكو، القائل منذ قرون مضت، إن حرية المرء تنتهي عندما تبدأ بالتعدي على حرية الآخرين. المنطق يحتّم اجتناب خطأ الخلط بين ضرورات حماية مبدأ حرية غالبية الناس بأي مجتمع، وتوظيف أقلية ما مبدأ الحرية لأجل إرضاء الذات. يحق هذا الأمر حتى عندما تكون تلك «الذات» خارج نطاق مصالح «الأنا» الضيقة، وتعبّر عن برامج تريد الصالح العام، مثلما هو الأمر مع جماعات ضغط تنتشر حول العالم، وتمارس نشاطات ترتبط بالتنبيه للخطر المحيق بالكون نتيجة التغيرات البيئية، وتطالب بإجراءات ملموسة على الأرض في مواجهة أخطار تهدد أغلب سكان الكوكب.
ذلك مسعى محمود، بغير جدال، إنما سوف تحوم سُحب الشك، ويكثر الجدال، حين يُمارس نشاط كهذا بلا شروط، وبلا قيود تراعي الخيط الرفيع بين نُبل الهدف، والتأثير السلبي المنعكس على مصالح أغلب الناس في المجتمع. هذا ما حصل مع لندن وأهلها طوال الأسبوع الماضي. من جهتهم، خرج نشطاء البيئة المتحمسون إلى الشوارع يعلنون مطالبهم على إيقاع الموسيقى، ويحملون لافتات تحمل شعارات لطيفة، لكنها جادة، وأبصرهم المارة يلبسون أزياء زاهية، وقد علت وجوههم ابتسامات متفائلة. ذلك مشهد بدأ مثيراً للبهجة في أول الأمر، خصوصاً أن أغلب المشاركين والمشاركات شبان وشابات في مقتبل العمر. لم يلقَ التصرف أي اعتراض من قبل عموم الناس، وما قوبل بامتعاض غاضب، كما يحدث عندما يتظاهر نشطاء التيار المعارض لمبدأ العولمة الاقتصادي، إذ يكشّر أولئك عن أنياب تريد تدمير النظام العالمي بمجمله، فتنهال معاولهم على واجهات المخازن التجارية الكبرى، ولا تسلم مصارف ومؤسسات حكومية من شرور غضبهم.
بيد أن نشاط أنصار البيئة اتخذ هو الآخر منحى أخذ يضر بمصالح كثيرين وجدوا أنفسهم في وضع صعب، إذ بينما فاز البيئيون بتفهم مطالبهم، بدا من غير المفهوم لأغلب الناس لماذا يجب أن تتجاوز الاحتجاجات يوماً، أو يومين، أو ثلاثة، ولماذا ينبغي أن تتعطل قطارات، وتُغلق شوارع، لأكثر من خمسة أيام، فيتعرقل سير العمل، ويتعقد حتى وصول مريض إلى المستشفى، أو عيادة الطبيب. هنا ثار التساؤل: من يعطي أنصار البيئة، المُحقون في التعبير عن أنفسهم، الحق في فرض أساليبهم على غيرهم من البشر، وتحويل مطلع نهارهم وآخره إلى نكد وإرهاق؟
مع ذلك، يبقى أن كل ما حصل من صداع بيئي لأهل لندن طوال الأسبوع الماضي وما زال مستمراً، ليس شيئاً يُذكر إزاء مجازر الأحد الماضي في سريلانكا. بسابق قصد، وعن عمدٍ، اختار المجرمون يوم عيد الفصح عند المسيحيين لقتل مصلين في الكنائس، وآخرين نزلاء فنادق. لماذا؟ لأن التعاطف العالمي غير المسبوق مع المسلمين، بعد مجزرة سفك دماء المصلين في مسجدين بنيوزيلندا (15 الشهر الماضي) لم يكن ممكناً أن يمر بلا توقف أمام مؤشراته، من قِبل أطراف يهمها استمرار ربط الإسلام بالإرهاب. أعان تلك الأطراف على تحقيق مآربها مارقون من الدين الحنيف «مروق السهم من الرمية»، وفق وصف النبي الأمين للخوارج، الذين هم أساس بنيان فكر خوارج هذا الزمان. الرد المتوقع، ولو بعد حين، على تعاطف مع ضحايا جريمة كرايستشيرش عمّ جهات العالم الأربع، أوجب وقوع جرم يستهدف أتباع دين غير الإسلام ويحمل، زوراً وكذباً اسم الدين الحنيف. السؤال الذي سيظل قائماً هو: هل من نهاية قريبة في الأفق لهذا الخلط البيِّن السطوع بين حق قِيم الدين القَيِّم، وباطل إرهاب يزعم أن قتل غير المسلم مشروع وفق ما يزعمون أنه «جهاد»؟
الأرجح أن الإجابة تجمع كلا مع نعم. كلا، لأن ليس من نهاية قريبة تلوح في أفق خرائط صراع عالمي، تشارك فيه جماعات إرهاب محسوبة على الإسلام. أما نعم، فلأن وضوح الحق هو الذي سيظهر، مهما طال الزمن، على باطل أي ادعاء إرهابي يتلفح برداء الإسلام. لكن يظل من الواضح أيضاً أن الجهد الإسلامي المطلوب للتعجيل بفضح باطل هذا الخلط، يتضاعف يوماً بعد يوم، وليس من مبرر لأي تكاسل عن مضاعفته بالعمل الدؤوب.