في مسألة القالبين والمنقلبين

في مسألة القالبين والمنقلبين

الأحد - 9 شعبان 1440 هـ - 14 أبريل 2019 مـ رقم العدد [14747]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
في تاريخ الاعتزال السياسي وفقدان المنصب الأهم، وهو رئاسة الحكومة، حالتان بريطانيتان قريبتا الشبه بالذي حدث للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقبْل ذلك بالذي حدث في تونس للرئيس الحبيب بورقيبة. وكما أن بطلي الحالتيْن البريطانيتيْن من الزعامات التاريخية الاستثنائية؛ فإن الحبيب بورقيبة وكذلك عبد العزيز بوتفليقة من نسيج زعامي ونضالي مشهود له.
لست من الذين عايشوا حقبة ونستون تشرشل الذي عندما بدأت معاناته من الأعراض الحادة للشيخوخة، ومنها الرجفة المتواصلة في اليد التي لطالما وقَّع قلمه الممسك بها اتفاقيات ومعاهدات تاريخية، فضلاً عن النسيان وفقدان حتى الرغبة في تدخين سيجاره الشهير، آثر الاكتفاء بالسنوات القليلة التي شغلها رئيسَ حكومة وحفلت بأحداث تاريخية، من بينها اجتماعه الشهير في مصر بالملك عبد العزيز. ومن المصادفات أن فقدانه المنصب يوم 6 أبريل (نيسان) 1955 يحدث في اليوم نفسه الذي أُفقد بوتفليقة الرئاسة كما إفقاد بورقيبة المنصب من قبْل، وكذلك في اليوم الذي أغمضت عينيها رمز الزعامة البريطانية التاريخية الثانية مارغريت ثاتشر وهي في السابعة والثمانين ممددة على فراش المرض (8 أبريل 2013) تمهيداً للانتقال إلى العالم الآخر، وبذلك تنتهي معاناتها مع السكتات الدماغية المتقطعة وألزهايمر الذي نال منها بمثل نيْله من زعامات دولية أحد هؤلاء صديقها رونالد ريغان. وفي حين لم يسجل التاريخ لتشرشل شعوراً بالحزن لفقدانه المنصب بداعي أعراض الشيخوخة، فإنه سجَّل تلك اللقطة لثاتشر تذرف دمعة أو أكثر وهي تغادر 10 داوننغ ستريت منقلَباً عليها من حزبها إلى غير رجعة، وهي التي كانت المرأة الأُولى في تاريخ بريطانيا التي تترأس الحكومة.
وبالعودة إلى الحاضر من الانصراف اضطراراً وليس اختياراً من رئاسة الدولة للدواعي الصحية، نضيء هنا على حالة سبقت وحالة نعيشها. الحالة السابقة التي تتمثل في أن العجز الصحي يكون دافعاً مشروعاً لإنهاء حُكْم زعيم تاريخي، عشناها بين الستينات والسبعينات صحافيين لطالما كان الزمن الورقي للصحافة على درجة من الازدهار والإبهار، ولطالما كانت متابعتنا ليوميات الإنهاء ذاك موضع شغف الألوف من أبناء الأمة الذين كانت الصحيفة والإذاعات هي المرجعية لهم لمعرفة ماذا ولماذا وكيف وإلى أين بعد هذا الذي جرى، وكيف أن حاكماً يتربع على كرسي الرئاسة عقوداً من الزمن ينتهي إذا جاز القول بقرار مركز قوة يستند إلى تقرير طبي، خارج المشهد الرئاسي.
كانت الحالة الأُولى وأخذت مكانها في بند الانقلاب الأبيض هي تلك التي حدثت يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، وتمثلت في أن زين العابدين بن علي المعيَّن يوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه من الرئيس الحبيب بورقيبة رئيساً للحكومة توجّه إلى قصر الرئاسة لإبلاغ الرئيس بأن حالته توجب الخلود إلى ترْك منصب الرئاسة طوعاً. وما زالت الصورة التي تمثِّل بن علي رئيس الحكومة الوارث أربعة بورقيبيي الهوى والولاء (الباهي الأدغم. الهادي نويره. محمد مزالي. رشيد صفر) يُبلغ بورقيبة رئيس الجمهورية (الاثنان وقوفاً) أن الحالة الصحية تجعله عاجزاً عن مواصلة ممارسة واجبه الرئاسي. كان بورقيبة عامذاك في الرابعة والثمانين، أي ضِعف عمر بن علي. ولم تكن هنالك ضرورة لانقلاب رمادي كتلك الانقلابات السورية والعراقية واليمنية والليبية والسودانية، ذلك أن الحالة الصحية للرئيس فضلاً عن طول البقاء وتمديد الولاية الرئاسية وضجر الرعية من ذلك ومن مراكز القوة العائلية، وكذلك جنوح الحاشيين المحلقين في الدواوين الحكومية وطموحهم للإثراء غير المشروع، وأحياناً هوس التوريث، فضلاً عن المواقف السياسية التي تتجاوز النأي بالنفس إلى الانخراط في تحالفات منقوصة التوازن، تشكِّل في حد ذاتها أسباباً موجبة لرضوخ المنقلَب عليهم فيمتثلون لحالة مباغتة تنقلهم من القمة إلى ما دون السفح على نحو ما أصاب «المجاهد الأكبر» بورقيبة الذي لم يحمل غيره هذه الصفة الشرَفية، والذي انتهى به المقام قابعاً في منزله تحت إقامة جبرية، شأنه في ذلك شأن الرئيس الأول لمصر الجمهورية محمد نجيب، ثم شأن الرئيس الجزائري أحمد بن بيلا. ثم يبدأ بن علي الآتي إلى هذا المنصب الأول من خلفية عسكرية أمنية بدءاً بتقليده منصب وزير الداخلية، ثم رئاسة الحكومة بعد إشغال المنصب الأكثر حساسية، وهو المدير العام للأمن الوطني سنوات طويلة من الترؤس انتهت على نحو ما هو حاصل في الجزائر الجارة وفي السودان البعيد تطبيقاً لجوهر قول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي مع بعض التعديل «إذا الشعب أراد التغيير فلا بد أن يتحقق مطلبه...».
بعد 32 سنة تتكرر الحالة... إنما في الجزائر. يعصف الغضب الشعبي عصفته الرائدة؛ كونها نقيض تلك التي حدثت في فرنسا، وهكذا فإن ما سيُضرب به المثل بعد اليوم عندما تحدُث الانتفاضات الشعبية، سيكون السلوك الراقي من جانب الرأي العام الجزائري المحتج. كما سيُضرب المثل بالانتفاضة الشعبية في السودان. انتفاضتان لا حرائق ولا تكسير ولا عمليات نهْب، وهذا منتهى الرقي في الاحتجاج قياساً بالذي عايشْناه «أحداث» جولات الصفراويين وما فعلوه بالعاصمة النوَّارة باريس. في المقابل انتعاش ملحوظ لصناعة وإنتاج الغاز المسيِّل للدموع.
عموماً، لم تتحقق السلامة ولا هدوء البال ولا استقرار الحُكْم لكل القالبين على المنقلبين. فإما عِلَّات في البدن، وإما هزائم متتالية، وإما عمل انقلابي كالذي فعلوه. حدَث ذلك لبومديْن الذي ظلم بن بيلا. وحدَثَ لأديب الشيشكلي في سوريا بعد الذي حدَثَ لحسني الزعيم، ثم للمتعاقبين انقلابياً على سلطة الرئاسة. وحدَثَ في ليبيا لمعمَّر القذّافي الذي جار على الملك إدريس السنوسي، ذلك الذي تغمر الوطنية نفسه وكان أحد رموز قمة الخرطوم ولاءاتها الثلاث، إضافة إلى مشاركة الملك فيصل بن عبد العزيز والشيخ صباح السالم في نجدة مصر الناصرية والأردن إلى حين إزالة آثار العدوان. رحمة الله على الجميع. وحدَثَ في السودان بدءاً بعهد إبراهيم عبود وصولاً إلى عهد عمر البشير مروراً بعهد جعفر نميري. وحدَثَ في العراق لعبد الكريم قاسم، ثم لصدَّام حسين، وللذين يتعاقبون ويعاقبون. وحدَثَ في اليمن لعلي عبد الله صالح ولكثيرين من قبل.
وها هي الساحة جاهزة لاستقبال مزيد من الحالات العربية... ومعها الإيرانية التي تؤكد حقيقة أساسية، وهي أنه كما ما مِن ظالم إلا سيُبلى بأظلم، فإن ما من منقلب إلا سيُبلى بقالِب. والعبرة في مَن يعتبر في ضوء العبر، وهي كثيرة على نحو ما نحفظه من أقوال الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «ما أكثر العِبَر وأقل الاعتبار».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة