د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

بساطة الفكرة والحل

انتشر قبل أيام مقطع فيديو لفتاة آسيوية وهي تتناول الأناناس بالسبابة والإبهام، بدلاً من تقطيعها بالسكين، وهو ما اعتُبر طريقة جديدة لتناول الأناناس في مشهد فاجأ عشاق الفاكهة أنفسهم. وهذا ما دفع أكثر من 170 ألف مشترك إلى إعادة إرسال المشهد، وحاز إعجاب ما يقارب 400 ألف شخص حسب قناة «فوكس نيوز» الأميركية.
هذا المشهد ذكَّرني بأكثر المشكلات المستعصية التي حلّتها أفكار في غاية البساطة. فحينما نقول لشخص «لا تُعد اكتشاف العجلة» فإننا نقصد ذلك الشخص الذي سبق البشرية بفكرة العجلة التي تسحب ما تعجز عن جره أعتى الدواب. فصار اقتراحه البسيط يسحب طائرات، وقطارات، ومركبات، وسحب مسجداً أثرياً كاملاً في تركيا تم اقتلاعه من الأرض ووضعه على عجلات متحركة. وكذلك الحال مع الحبر المحشوّ في قلب أنبوب بلاستيكي ليصبح في ما بعد قلماً عصرياً كُتبت به أروع الأعمال الأدبية والشعرية. وهناك الكثير من المشكلات حلّتها فكرة بسيطة تبادرت إلى أذهاننا.
مشكلتنا حينما تأتي الفكرة الخلاقة فيقابلها مَن حولنا بوابل من التندر والسخرية، فيتراجع ذلك المبدع عن إشعال قبسٍ من نور إبداعاته. ولذا كان من أبجديات التفكير أو البحث عن حلول جمع أكبر قدر من الآراء والحلول من دون تقييمها أو وأدها ولا حتى تطويرها. بعد ذلك تبدأ عملية منهجية وموضوعية في غربلتها لتبقى الفكرة الأقوى والأكثر فعالية.
المؤلم أن تنبثق فكرة خلاقة من بني جلدتك، فيتجاهلونها لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء تدبر عمقها أو عبقريتها. وهذا ما حدث مع مخترع الصندوق الأسود، الذي هو في الواقع برتقالي اللون، حيث لم يتبنَّ الأستراليون جهاز ابنهم المبتكر الدكتور ديف وارن رغم مقدرة الجهاز على تحمل شدة المكوث في أعماق المحيطات والحرائق والارتطام بالأرض، وتسجيل دقائق المحادثات، حيث اعتبروه عديم الجدوى حسبما قرأت في موقع للحكومة الأسترالية! ولما جربه الإنجليز اهتموا به وطوّروه ثم اقترح قاضٍ أسترالي، في حقبة الخمسينات، تبنّي هذا الجهاز الذي غيّر مجرى تحقيقات الطيران، بعد أن كان البعض يعده جهاز تجسس غير مريح.
والآن يمكن لبعض الجهات الأمنية البحث عن طفل مفقود في جميع أنحاء البلاد شريطة أن يكون قد مر أمام أي كاميرا رصد كتلك المنصوبة في المتاجر والميادين العامة. فبتقنية بصمة الوجه صار يمكن الاستدلال على مكانه بسرعة مذهلة. وقد سمعت من أحد العناصر الأمنية كيف نجحوا في الاستدلال على شخص زائر بسرعة مذهلة. كان وراء ذلك حل في غاية البساطة.
مشكلتنا ليست في الحلول، فهي موجودة بكثرة، لكن التحدي يكمن في عدم الإصغاء جيداً للأفكار المحيطة بنا.
[email protected]