أميركا دولة غنية تعاني أعراض الدول النامية

أميركا دولة غنية تعاني أعراض الدول النامية

الثلاثاء - 5 رجب 1440 هـ - 12 مارس 2019 مـ رقم العدد [14714]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»
منذ بضعة أيام، تأخرت على حفل عشاء؛ لكن لم يكن هذا بسبب خطأ مني، وإنما كانت الشوارع خانقة في مختلف أرجاء مدينة سان فرنسيسكو، وذلك بسبب تساقط كتل خرسانية من جسر رتشموند سان رافاييل. وللأسف لم يكن هذا حدثاً غريباً على المدينة، ففي عام 2016 أغلق باي بريدج، بعد أن بدأت كتل خرسانية في التساقط منه. الأسوأ أن هذه المشكلات لا تقتصر على الجسور، فمثلاً أغلق «ترانسباي ترانزيت سنتر» الذي تكلف إنشاؤه 2.2 مليار دولار، نهاية عام 2018، بعد اكتشاف شقوق في العوارض.
وتعتبر هذه الأمثلة الصغيرة من نوعية المشكلات التي قد يتوقع المرء رؤيتها في دولة نامية؛ حيث يجري بناء الأشياء على عجل وبتكلفة رخيصة. أما كاليفورنيا فتتميز بمشروعات بناء وتشييد باهظة التكلفة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن حاكم الولاية جيفين نيوسوم، أصدر منذ وقت قريب قراراً بإلغاء الجزء الأكبر من مشروع القطار السريع بالولاية، بسبب تضخم التكلفة من 45 مليار دولار إلى 75 مليار دولار.
ولا تقتصر هذه المشكلات على كاليفورنيا، وإنما بمختلف جنبات البلاد نجد أن تكاليف بناء مشروعات التشييد المرتبطة بالقطاعين العام والخاص ارتفعت بشدة، في الوقت ذاته الذي تجمدت فيه الإنتاجية أو تراجعت. وتكشف المقارنة أن بناء كل ميل من السكك الحديدية داخل الولايات المتحدة تتجاوز تكلفته بكثير التكلفة المقابلة في فرنسا. وحتى هذه اللحظة لا يبدو أن أحداً تمكن من تحديد السبب وراء ذلك. بدلاً من ذلك يبدو أن الولايات المتحدة تعاني قدراً كبيراً من الفساد، وغياب الكفاءة عن المناقصات، وارتفاع تكاليف شراء الأراضي، وارتفاع أعداد العاملين بصورة مفرطة، ووجود عوائق تنظيمية، ورداءة مستوى الصيانة، والاعتماد المفرط على استشاريين، بجانب مشكلات أخرى. وبمرور الوقت تتراكم هذه المشكلات التي قد تبدو ضئيلة داخل بلد يبدو أنه نسي كيف ينبغي أن يكون البناء. لذلك من غير العجيب أن نجد جزءاً كبيراً من البنية التحتية في حالة متردية.
ويثير كل ذلك تساؤلاً يثير القلق: هل من الممكن لدولة غنية وصناعية أن تتراجع لمستوى الدول المتوسطة؟ كانت الأمم المتحدة قد وضعت تصنيفاً للدول يقسمها إلى ثلاث فئات: متقدمة، ونامية، وفئة وسطى أطلقت عليها «في وضع انتقالي». ومع هذا، فإنه من المفترض على نطاق واسع أن الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية، في اتجاهها نحو الصعود، وليس الانخفاض.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها لا تزال دولة غنية للغاية، أغنى من دول مثل ألمانيا والسويد واليابان وكندا والدنمارك؛ لكن هذه الثروة تخفي وراءها عدداً من الجوانب التي تبدو الولايات المتحدة فيها أقل مستوى من الدول المناظرة لها. من بين هذه المجالات الرعاية الصحية. الحقيقة أن نظام الرعاية الصحية المختلط ما بين القطاعين العام والخاص في الولايات المتحدة، يتسم بتكلفة أعلى بكثير من دول أخرى تعتمد على أنظمة رعاية صحية تهيمن عليها الحكومة. يذكر أن تكلفة الرعاية الصحية داخل الولايات المتحدة في ازدياد مستمر. ورغم هذا الإنفاق الضخم، تحصل الولايات المتحدة على نتائج صحية أسوأ من الدول المناظرة على كثير من الأصعدة. وظهرت في الفترة الأخيرة بعض المؤشرات المثيرة للقلق، تشي بانهيار منظومة الرعاية الصحية. من بين هذه المؤشرات أن العمر المتوقع الذي لا يزال يرتفع في غالبية الدول الأخرى، بدأ في التراجع داخل الولايات المتحدة.
أيضاً، شهدت معظم الدول انخفاضاً في معدلات وفيات الأمهات؛ لكن هذا المعدل ارتفع داخل الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.
وبسبب ارتفاع تكاليف البناء والقيود المفروضة على التنمية العقارية، تواجه البلاد أزمة في توفير الإسكان بأسعار معقولة.
بجانب ذلك، تعاني البلاد من تفشي تعاطي الأفيون بصورة مأساوية، في الوقت الذي ارتفعت فيه معدلات الانتحار باستمرار. وتعرضت مياه الشرب داخل مدن بأكملها للتلوث بالرصاص. كما تتفاقم مستويات الفساد، بجانب عدد من المشكلات الأخرى. وهناك عدد من المشكلات الأخرى موجودة منذ فترة طويلة، منها أن الولايات المتحدة تضم عدداً كبيراً للغاية من السجناء، بجانب وجود معدل جرائم عنف أعلى بكثير من دول أخرى متقدمة. كما أن بها معدلات أعلى من الفقر والجوع.
وقد لمح البعض إلى أن الولايات المتحدة منقسمة في حقيقتها إلى بلدين: واحد متقدم للأغنياء، وآخر نامٍ للفقراء. ومع ذلك، فإن بعض المؤشرات التي ظهرت حديثاً مثل انخفاض إنتاجية البناء وارتفاع التكاليف الصحية، توحي بأن غياب المساواة ليس السبب الوحيد، وإنما أصبحت الولايات المتحدة مفتقرة إلى الكفاءة على امتداد مجموعة واسعة من القطاعات.
والسؤال هنا: إلى متى يمكن أن يستمر هذا النقص في الكفاءة، من دون أن يضر بإجمالي ثروة البلاد؟ لا أحد يعلم؛ لكن إذا بدأت الولايات المتحدة في الانزلاق في النهاية على صعيد إجمالي الناتج المحلي، فإنها لن تكون أول دولة غنية تتعرض لهذا المصير في السنوات الأخيرة، فقد مرت إيطاليا بالفعل بهذه التجربة.
عانت إيطاليا لفترة طويلة من حالة من الخلل الوظيفي سياسياً، وانقسامات. وعلى مدار عقد تقريباً، تسبب الرئيس سيلفيو بيرلسكوني بسياساته الشعبوية والفاسدة والمثيرة للانقسامات، في زيادة الوضع سوءاً.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإنه لا ينبغي عليها الانتظار حتى ترى ما إذا كانت المؤشرات الحالية سوف تستمر، وإنما يجب عليها تركيز اهتمامها على المستوى الوطني، على تخفيض التكاليف الباهظة داخل الصناعات الحيوية، وتحسين مستوى صحة السكان، وتحديث شبكة النقل العام، والحد من الفساد والإهدار في القطاعين العام والخاص. باختصار، إذا رغبت الولايات المتحدة في البقاء داخل زمرة الدول المتقدمة، فإنه يجب عليها أن تبدو وتتصرف كدولة متقدمة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة