الثالوث العربي: الحسرة والارتباك والعجز

الثالوث العربي: الحسرة والارتباك والعجز

الأحد - 3 رجب 1440 هـ - 10 مارس 2019 مـ رقم العدد [14712]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
هل نحن مجتمعات ذات علاقة جيدة بالمستقبل؟ هل جرَّبنا الشغف بالمستقبل، وهل أن الغد في مدوناتنا الأدبية والفنية حاضر حضور القوة والأمل والبهجة، أم أنه يكاد يكون غائباً وغير مفكر فيه؟ وإلى أيّ حدٍّ يمكن الدفاع عن وجود علاقة جيدة بما يسمى المستقبل أو الآتي أو الغد؟
أولا: لماذا خطر لنا طرح مثل هذه التساؤلات وما محلها من الإعراب؟ فمن المهم الإجابة عن هذا السؤال قبل غيره من الأسئلة التي جعلناها مدخلاً لهذا المقال.
الإجابة سهلة جدا ولا تتطلب جهداً كبيراً. فالمستقبل، إلا ما ندر، يكاد يكون غائباً في سياساتنا وخططنا وتخطيطنا للغد. نعيش من دون اهتمام حقيقي وجدي ومسؤول بالمستقبل.
إن الانشغال بالمستقبل من أهم مظاهر جدية المجتمع ومن أهم المؤشرات التي نقيس بها مسؤوليته التاريخية والأخلاقية. ذلك أن التفكير في المستقبل والبرمجة للغد القريب والبعيد والأكثر بعداً ومسافة زمنية، إنما يفيد بكل بساطة ووضوح أننا لا نفكر في الأجيال القادمة، وماذا سنؤسس لهم على الأصعدة كافة. بل إنّ عدم التخطيط للغد يعني أننا لا نرى غير جيلنا، وكأن نسل المجتمع يتوقف عند جيلنا لا أكثر، وهو سلوك يعكس عدم الوعي بقيمة المستقبل وبدورنا تجاه الأجيال القادمة، وتجاه المستقبل الذي سيكون حاضرهم. أما إذا كنا واعين بذلك ولا نكترث لهذه المسألة فذاك يشكل مثالاً قوياً على أنانيتنا وعدم شعورنا بالمسؤولية التاريخية تجاه التأسيس للمستقبل. إضافة إلى ما يرمز إليه، مثل هذا التفكير من تحجيم لقدراتنا وكفاءتنا في إقامة علاقات طبيعية ومتوازنة على أبعاد الزمن الثلاث المتمثلة في الماضي والحاضر والمستقبل.
هذا أولاً. إذن فنحن نتساءل عن طبيعة علاقة مجتمعاتنا العربية الإسلامية بالمستقبل، لأن مؤشرات عدة تبيّن وجود عطب حقيقي في هذه العلاقة، وأهم مؤشر يعكس ذلك هو حاضرنا، باعتبار أن ما نصبو إليه في المستقبل يبوح به الحاضر ويكشفه ويعلن عنه. بمعنى آخر، فإن واقعنا في الحاضر وما تتخلله من توترات ومشاكل وما يعلن عنه الأداء في مختلف المجالات من ارتباك وعدم قدرة على التحكم في الواقع وضبطه.... كل هذا يؤكد وجود أزمة تفكير وتخطيط ورؤية ووضع تصور ورسم أفق. ومن يعرف مثل هذه الأزمة المركبة المعقدة لا يستطيع البناء، ولا يستطيع الانشغال بالمستقبل، لأن الحاضر مضغوط وخانق ومانع للتنفس، حيث إن الحديث عن الغد والتخطيط له دليل أن الرئتين تعملان بشكل جيد. هكذا نستطيع أن نفهم لماذا نحن نُعوِّض ارتباك علاقتنا بالحاضر وعجزنا بخصوص التخطيط الجدي والمسؤول للمستقبل بالارتماء في أحضان الماضي، وإغراقه بالمديح والتمجيد والحنين إلى حد الحسرة على مضيه. إذ أن المبالغة التي تعرفها علاقة الثقافة العربية بالماضي، هي في أحد أهم محدداتها ناتجة عن محاولة التعويض من أجل استبدال خسارتي العلاقة بالحاضر والماضي.
المشكلة أن الاستمرار في قطع العلاقة مع المستقبل واعتبار التفكير فيه والتخطيط له ترفاً وعملاً تكميلياً لا أساسياً ووجوبياً، لم يعد من الأمور المقبولة. فالعالم اليوم منشغل بالغد والمجتمعات المسؤولة تخطط من خلال النخب التي تمثلها في السياسة والأخرى الثقافية الفكرية النابعة منها، وتنتقدها لتكون أفضل ... تخطط للمستقبل، وترسم طريق المستقبل في شكل خطوات وانجازات وآفاق، وتحدد لنفسها رزنامة دقيقة مضبوطة طبقاً لتقديرات مبنية بدورها بشكل علمي.
نحن اليوم في عالم كشفت فيه المجتمعات المتقدمة عن خطة طريقها، وأصبح مكشوفاً للجميع وصفة النجاح والتقدم وقائمة الرهانات الجديرة بأن ترفع قبل غيرها. ومن لا يمتلك اليوم خريطة طريق واضحة ومدروسة ومحددة بالتواريخ والأرقام في النماء، هو في الحقيقة خارج العالم ويعيش على هامشه.
وحتى المؤسسات الدولية على غرار منظمات الأمم المتحدة هي تعمل للمستقبل وتضبط تواريخَ للشعوب لتحقيق تقدم في مجالات عدة. وهو جهد نعتقد في وجه من وجوهه، إنما يهدف إلى تحسين ظروف التعامل بين الشعوب من منطلق أنه كلما كان المستقبل نقطة التقاء، تأكدت الحاجة للتبادل، وانخفضت أسباب التباين والتوتر، لأن الملامح ساعتها تتماهى والمستقبل يصير فضاء للمصالح المشتركة أو القريبة من بعضها بعضاً. فالتباين بين الشعوب لا يخلق أرضية تواصل ولا يؤسس لشروط الحوار الحقيقي.
فهل نعرف نحن اليوم إلى أين سائرون؟ لا أظن لا سياساتنا تظهر ذلك ولا اقتصادياتنا تؤكد انشغالها وتخطيطها للمستقبل. فما نعيشه اليوم في معظم دولنا من مشكلات اقتصادية وارتفاع أرقام الفقر والبطالة، وشبه الخضوع للصدفة والارتجال والقرارات السريعة الآنية، يدل على غياب رؤية ومخططات واستراتيجيات. كما نلاحظ أن الاقتصاد مثلاً الذي من المفروض أنه يخضع آلياً للمستقبل نجده في غالبية بلداننا يحتكم إلى الغد القريب جداً ويربط مشاريعه وآفاقه بالبيئة التي يتحرك فيها والتي تتميز بعدم الاستقرار.
لذلك فإن غياب أسباب الاستقرار في بلداننا يجعل من العلاقة بالمستقبل ضبابية وغامضة، حيث لا مجتمع يستطيع البناء والحلم ورسم الأفق وهو غير مستقر سياسياً ولا اقتصادياً ولا اجتماعياً.
إن تهميش المستقبل كمسألة رئيسة في العقلية العربية يجعل من حديثنا عن التقدم والتنمية حديثاً يفتقد إلى المصداقية. فالمجتمعات التي لا ترنو للمستقبل يقل فيها الإبداع، ويضيق فيها الحلم ويجف فيها الأمل وتتلاشى فيها جاذبية فكرة النجاح.
نحتاج إلى نقاشات مطولة حول المستقبل في الفضاء العربي، لأن هذه النقاشات ستمكننا بطريقة غير مباشرة من نقد الحاضر ووضع الإبهام في جوف الثغرات لتأمين الطريق المثلى للمستقبل، المعبر عنا وعن قدرتنا على التفكير والتخطيط والهندسة للغد.
لذلك فإن الأحزاب السياسية التي لا تبرمج لمستقبلنا ورجال الاقتصاد الذين لا يحددون ملامح الثروة على المدى القريب والبعيد، والنخب التي لا تولي فكرها قبلة المستقبل ... جمعيهم يقومون بإقصاء شعوبهم، قبل أن تفعل الشعوب التي يحكمها المستقبل أولا وأخيراً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة