هل «المؤامرة» لها وجود فعلاً؟
الغالبية في معظم المجتمعات لا تهتم بالنظريات السياسية والاقتصادية، ولا تكترث للتطورات البطيئة التي تغير نمط الحياة في المجتمع تدريجياً، لأن أولوياتها، خصوصاً في أوقات السلم، الأمن الاقتصادي والاجتماعي والخدمات كصحة وإسكان وتعليم. وفي حالة تهديد من خطر خارجي يمنح الناخب ثقته للحكومة مهما كان لونها.
الأغلبية لا تبالي لظهور مجموعة، أفراد، تتشابه طرق تفكيرها ورؤيتها لدفع قضية. ولأنه عادة للأفراد، ولمجموعات أخرى، مصالح مشتركة اقتصادية، فإنها تشكل لوبياً للترويج لقضيتهم.
هل هي مؤامرة؟
بالطبع لا..
عندما يستجيب مئات الآلاف بمسيرات لدعوتهم، ويطالبون أو يحتجون أمام البرلمانات، لا يعقل انتماؤهم جميعاً لتنظيم أو جماعة سرية كأعضاء، لكنهم إما يقتنعون بالدعوة لأسباب عاطفية (يسمونها إنسانية)، وغالباً بلا اطلاع على الحقائق والمعلومات، أو يعتقدون أنها تخدم مصالحهم، أو ربما تحسن أحوالهم، أو تبعد خطراً عنهم، أو لأكثر من سبب.
النواة التي بدأت بتبني قضية معينة يكونها دائماً أفراد ميسورو الحال يمكنهم وضعهم الاقتصادي من التفرغ، أو تخصيص وقت فاعل للدعوة للقضية وإبقاء الترويج لها حياً في الرأي العام، خصوصاً بإقناع وسائل التأثير فيه بعائد مادي من تبني قضية لها جاذبية تزيد التوزيع وتضاعف أعداد المشاهدين والمستمعين.
وهذا ليس بمؤامرة، بل تخطيط متكامل كتكتيك مرحلي لاستراتيجية بعيدة المدى، لأنه ليس كخطة عصابة صغيرة تتآمر لسرقة بنك.
من المتوقع أن يكون لعدة مجموعات وأفراد تفكير متشابه ويغلب عليها المزاج السياسي أو الاجتماعي المشترك، فيظهر ما يعرف بالتفكير الجمعي أو فكر المجموعة، الذي يسيطر على ذهنية الأفراد فيفكرون كعقل واحد موزع بين الأدمغة. كالفكرة المسيطرة على ذهنية الملايين بأن النشاط الإنساني (الغربي عادة وليس في الصين أو أفريقيا!) هو المسؤول وحده عن التغيير المناخي!
ولأن أساليب وممارسات ما يظهر كحفاظ على البيئة، تتمتع بدعم سخي من أموال الضرائب، دائماً ما تجد علاقة بين النشاط الاقتصادي الذي منح المجموعات صاحبة الدعوة رفاهية التفرغ للدعوة وبين الصناعات التي ظهرت للحفاظ على البيئة كإعادة التدوير، وألواح توليد الطاقة الشمسية (في بلاد نادراً ما ترى الشمس)، وهنا تتحول الدعوة من وسيلة لتحقيق غاية إلى هدف في حد ذاته لضمان استمرار الدعم والتمويل بإظهارها كقضية الساعة الملحة، حتى إن كانت لا تمس إلا حياة الأقلية في المجتمع.
ثلاثة عوامل تساعد المجموعة على النجاح في استمرار الدعوة وتحولها إلى هدف: لا مبالاة الأغلبية، وعدم اكتراثها، سواء بالنظرية أو بالتحقق من الأهداف الحقيقية من الدعوة. ومدى اقتناع النخبة المسيطرة على صناعة الرأي العام بالدعوة. والعائد الاقتصادي المشترك بين النواة صاحبة الدعوة وصناعة الرأي العام، وما يعرف بالمؤسسة الحاكمة و/ أو المؤسسات المالية والاستثمارات التي يمكنها توسيع قاعدة المستفيدين اقتصادياً.
مثلاً هذا الأسبوع شهد احتجاج كثير من أولياء الأمور، وسحب أطفالهم من المدارس الابتدائية، التي عدلت فصول الوعي الاجتماعي بإدراج نماذج جديدة للعلاقات بين المثليين المتزوجين من الجنس الواحد ضمن التدريس.
أغلب المحتجين من المسلمين، واليهود الأرثوذوكس، والمسيحيين المتدينين، والمحافظين العلمانيين، لكن ركزت الصحافة، خصوصاً «بي بي سي» وزميلاتها اليسارية، على المسلمين الآسيويين المحتجين بمكبرات الصوت، وتجاهلت الباقين. «بي بي سي»، واليسار البريطاني عموماً، دائماً يتعاطفون مع تيارات الإسلام السياسي، حتى المتطرف منها؛ فلماذا الاستثناء من القاعدة هذه المرة؟
الموضوع (لا الخبر) الثاني الذي خصصت له «بي بي سي» أوقاتاً لا تتناسب وحجمه الديموغرافي، كان جدلاً بدأ على «تويتر»، يقوده نشطاء أقلية المتحولين جنسياً للجنس الآخر، بالاختيار الخاص، وليس لمشكلة طبية. وقوانين المساواة البريطانية اليوم تحمي حقوقهم دون تمييز. تتزعم المتحولينَ فائزةٌ بسباق الدراجات النسائية كانت رجلاً قبل تحولها، وتناهضها حاملة الميدالية الذهبية في السباحة شارون ديفيز وبطلة التنس العالمية مارتينا نافراتيلوفا، وبطلة المارثوان بولا رادكيف؛ يحتججن بأن متسابقة ولدت رجلاً تتمتع طبيعياً بالقوة الجسدية والعضلات ليس من العدل الطبيعي أن تخوض سباقاً ضد نساء أجسامهن أضعف طبيعياً، ويطالبن اللجنة الأولمبية بتخصيص مسابقات خاصة للمتحولات.
والخبر الثالث كشفته صحيفة «تليغراف» بطلب تحت قانون حرية المعلومات، إلى عيادة التعامل مع الأطفال المتحولين جنسياً، لتكشف أن العيادة، الممولة من وزارة الصحة، تتلاعب في الأرقام التي تنشرها، لتخفي النتائج السلبية والآثار الضارة التي يعاني منها المراهقون، وبعضهم حاول الانتحار، بسبب الآثار السيكولوجية والعقاقير الطبية التي تعرقل التطور البيولوجي المصاحب لسنوات البلوغ في المتحولين جنسياً، وبعضهم في الثانية عشرة فقط.
النموذج الأول لنجاح أقلية ناشطة في إقناع مؤسسة صناعة الرأي العام، خصوصاً «بي بي سي» (ونسبة المثليين والمثليات فيها أضعافها في أي قطاع عام آخر) بأن قمة المثالية الليبرالية - التي يتبناها اليسار المنتمي لطبقات ميسورة الحال في المجتمع - هي في تبني دعوة النشطاء ذوي التأثير في الترويج لها. النتيجة أن التفكير الجمعي، وأصبح لا شعورياً بين الأفراد، هو اعتبار أن مناهضي الترويج لها بين أطفال في السادسة من العمر هم أعداء الليبرالية؛ وهنا تتناسي «بي بي سي» تعاطفها مع المتطرفين فعلاً بين المسلمين، وتركز على مسلمين معتدلين من أصول باكستانية، لأن الصورة النمطية في الأذهان بجانب مظهر المسلمات كعلامة بصرية مميزة لمشاهدي التلفزيون ستروج للفقرة المبثوثة.
النموذج الثاني لأقلية نادرة، فـ853 رجلاً تحولوا إلى سيدات و12 امرأة تحولن إلى رجال فقط في 20 عاماً في شعب تعداده 66 مليوناً و850 ألفاً، أي أقل من واحد في الألف في المائة من البريطانيين، ومع ذلك لا يزال الموضوع يحتل وقتاً يبلغ عشرة آلاف ضعف حجمه من البث والتغطية الصحافية؛ ويرتبط به الموضوع الثالث، علاج المراهقين بالعقاقير.
العلاج مدى الحياة بالهرمونات (لمنع الجسم من العودة لوظائفه البيولوجية الطبيعية) يتكلف سنوياً للفرد الواحد 912 دولاراً للاستشارة الطبية، و6651 دولاراً للهرمونات. أي أكثر من نصف مليون دولار للفرد طوال حياته دون حساب معدلات التضخم؛ بجانب جلسات العلاج النفسي (جلسة ساعة نحو 450 دولاراً)، وجيش من الأخصائيين الاجتماعيين، خصوصاً لعلاج المشكلات الاجتماعية المترتبة على التغير. أي أن الوسيلة (علاج التحول خيارياً) تحولت إلى غاية للمستفيدين من صناعة ضخمة تبلغ المليارات كنموذج تشابك العوامل الثلاثة: لا مبالاة الأغلبية، وتبني صناع الرأي العام للدعوة، والعائد الاقتصادي للناشطين فيه.
ربما يفسر هذا ما يعرفه البعض بـ«نظرية المؤامرة».
7:38 دقيقه
TT
نظرية المؤامرة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
