الديمقراطية المظلومة!

الديمقراطية المظلومة!

الخميس - 29 جمادى الآخرة 1440 هـ - 07 مارس 2019 مـ رقم العدد [14709]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
واقعتان ديمقراطيتان في الشرق الأوسط يجري متابعتهما باهتمام. هناك أوجه تشابه ظاهرية، ولكن اختلاف التفاصيل يكشف وبشكل واضح وجلي أن هناك قضيتين مختلفتين تماماً. العناوين تقول: إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلاهما أقدم للترشح لفترة خامسة في الانتخابات قادمة. الأول رجل مقعد تماماً، وغير قادر على المشي، وفي حالة صحية حرجة، وعمره تجاوز منتصف الثمانينات. والثاني صرح النائب العام بأنه سيواجه مجموعة من الاتهامات الجنائية الجادة ضده بسبب سلسلة من الجرائم التي ارتكبها خلال فترة وجوده في المنصب. الخبران فيهما سابقة جديدة واختبار للمادة الدستورية في البلدين. فلم يسبق أن حصل في الجزائر من قبل أن يتقدم مرشح رئاسي للانتخابات وهو بحالة مرضية حرجة لا تسمح له حتى بالظهور ولا الحضور شخصياً، ولا الإدلاء برسالة بصوته (علماً بأن اللجنة الدستورية للانتخابات تشترط حضور المرشح شخصياً لتسليم أوراق ترشحه وهذا لم يحصل)، وبالتالي هناك مأزق دستوري صريح، ناهيك عن عدم قبول شعبي عريض، وأصبح متأكداً أن هناك من يديرون البلاد، وأن الرئيس بوتفليقة مجرد واجهة وتقتضي «مصالحهم» أن يستمر الوضع على ما هو عليه.
أما في إسرائيل فهناك رفض شعبي متزايد ضد بنيامين نتنياهو، وعدم قبول أن يترشح رجل فاسد في أعلى منصب حكومي، بعد أن تسربت معلومات موثقة أن التهم تتعلق بقبول هدايا كالسيجار والمشروبات الكحولية، ومساعدة أحد الناشرين في حصوله على تأشيرة زيارة من السفارة الأميركية مقابل تغطية صحافية إيجابية لنتنياهو وسياساته.
وكان نتنياهو دوماً ما يلوح أنه صانع الأمن والاستقرار في إسرائيل الذي جاء برخاء ونمو اقتصادي غير مسبوق، وهي المسألة التي دفعت بالمعارضة في إسرائيل أن تشكل تكتلاً لترشيح بيني غانتس، رئيس هيئة الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي كمرشح جاد وقوي يجيب ويتحدى نتنياهو في ضمان الأمن، وهو اختيار مهم لأن التاريخ يؤكد أن المعارضة تمكنت من إسقاط الليكود من الحكم عندما جاءت برجال مرشحين أقوياء من الجيش مثل إسحق رابين وإيهود باراك، وهذا ما يفسر تقدم غانتس على نتنياهو في استطلاعات الرأي.
أما في الجزائر، فخرج صوت رئيس الأركان الجزائري أحمد قايد صالح الذي شارف على الثمانين من العمر، ويعتبر الرجل الأقوى في الجزائر، بخطاب يدعم فيه ترشيح بوتفليقة ويؤكد دعم الجيش له. الديمقراطية نفسها تواجه التحدي من خلال هذا المأزق الذي يحدث في الجزائر وإسرائيل. ولاية خامسة لمرشح خارج نطاق القدرة والخدمة الصحية والذهنية، وآخر خارج نطاق حسن السير والسلوك وساقط في الشبهة والإدانة الجنائية.
كنت في حوار مع أحد المعارف المهتمين بالشأن الشمال أفريقي، ويتابع تداعيات المشهد الجزائري بكل شغف واهتمام، فقال لي بحزن لا يخلو من السخرية: «الجزائر بلد المليون شهيد والمرشح الرئاسي الوحيد». أما إسرائيل، فالوضع مهم لأن السابقة المستند إليها في حكم إدانة رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت وقضى بسببها عقوبة السجن ستة عشر شهراً، كانت عن جرائم تمت وهو في مناصب قبل ترؤسه لمجلس الوزراء، أما جرائم نتنياهو فهي تمت خلال فترة رئاسته لمجلس الوزراء ومع ذلك يترشح. الديمقراطية في إسرائيل تتشوه بشكل فيه وقاحة فجة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة