النوم في سرير بيكاسو

النوم في سرير بيكاسو

الأحد - 25 جمادى الآخرة 1440 هـ - 03 مارس 2019 مـ رقم العدد [14705]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.
يقف السياح أمام المنزل رقم 7 في زقاق مرصوف بالحجارة، يفضي إلى نهر السين. هذا هو حي السان جيرمان في ضفته اليسرى. واحد من تلك الأماكن التي يطيب للسياح أن يقطعوها على الأقدام وهم يزورون باريس العتيقة. تراهم هنا ليل نهار، بيدهم الخرائط وقناني الماء والهواتف تلتقط الصور. يرفعون أعينهم إلى نافذة في مبنى يعود لقرنين من الزمان. هناك، في ذلك الطابق العلوي، رسم بيكاسو لوحته الشهيرة «غيرنيكا». وإذا كانت «موناليزا» الإيطالي دافينشي هي الأشهر في العالم بين الأعمال الفنية، فإن لجدارية الفنان الإسباني حكاية مختلفة. الأولى لوحة حب والثانية لوحة حرب.
يبدو تعبير «الطابق العلوي» مجازياً إلى حد ما. فقد رسم بيكاسو لوحته في تسقيفة. أي علّية من النوع الذي كان مكاناً للمؤن والكراكيب في البيوت الريفية. لكن مخزن المهملات دخل تاريخ الفن منذ أن أقام بيكاسو في المبنى، وجعل من التسقيفة مرسماً له. كانت الحرب الأهلية الإسبانية مشتعلة وقد تعرضت بقعة فقيرة تقع في شمال البلاد إلى قصف أحرقها بمن فيها. وجاءت ريشة الرسام لتحوّل رماد قرية غيرنيكا إلى صرخة من أجل الحرية.
مضى ثمانون عاماً. مات الرسام ودخلت جداريته كتب التاريخ واستقرت في متحف «الملكة صوفيا» في مدريد. تقلّبت السنوات وتضاعفت أسعار العقارات في العواصم الكبرى. حطت أعين الصقور المستثمرين على المنزل رقم 7 في زقاق سانت أوغستان.
شمروا عن السواعد وبحثوا في السجلات العقارية. أجروا اتصالاتهم وتفاوضوا مع أصحاب الشأن. حصلوا على وعد بشراء المبنى. رسموا الخرائط الخلبيّة لتحويله إلى شقق فخمة. في كل شقة مغطس «جاكوزي». هل هناك ما هو أكثر جذباً لأصحاب الملايين من إعلان يدعوهم إلى النوم في سرير بيكاسو؟
غير أن عيون حراس التاريخ لا تنام. صدرت عرائض الاحتجاج وخرجت مظاهرة أمام وزارة الثقافة في باريس. أقيمت الدعاوى في المحاكم، وبدأت سلسلة طويلة ومعقدة من الجلسات والمرافعات والإغراءات تحت الطاولات. المتنازعون يتجادلون ووسائل الإعلام تناوشهم الحصى والنعال. مرت سنة، وبعدها سنة، وانتهت المعركة باتفاق قانوني يرضي الطرفين. ستبني الشركة الاستثمارية شققها السياحية الفخمة على أن تحافظ على واجهة المبنى. ودخل ورثة بيكاسو في النزاع، رغم أن لا ناقة لهم فيه، واشترطوا تحويل جزء من المنزل إلى مركز ثقافي لإحياء ذكرى الجدّ الذي أمضى فيه عشرين عاماً.
حلّ الممثل جان لوي بارو، بعد ذلك، في المكان ذاته. وكان الجيران قد اعتادوا رؤية أسماء شهيرة تتردد على المبنى، شعراء وفنانين من أمثال جان كوكتو، فرنسوا مورياك، جاك بريفير، أراغون، وبول كلوديل. وفي سيرة بعنوان «ذكريات للمستقبل» كتب المخرج أنطوان آرتو أنه كان قد استأجر الطابق الأخير المؤلف من ثلاث حجرات غريبة ذات أقواس، تسند سقوفها ألواح خشبية بارزة. وكان هناك عدد من الأسرة جاهز لاستقبال الأصدقاء الطارئين. يأتي من يأتي وينام من يشاء. ويوم الأحد يجتمعون ويفرشون مأدبة على الأرض. يرفعون نخب الجمال والحرية. وفيما بعد صار أولئك العابرون مشاهير في ميادينهم.
ماذا عن مخزن الكراكيب؟ قيل إنه سيكون صالة للندوات التي تشرح أعمال بيكاسو. هل بقي فيها ما لم يُشْرح ويُشَرَّح؟ كذب المستثمرون ولو صدقوا.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة