الديمقراطية على المحك

الديمقراطية على المحك

الأحد - 4 شهر ربيع الأول 1435 هـ - 05 يناير 2014 مـ رقم العدد [12822]

اجتمع الرئيس رونالد ريغان قبل ثلاثة عقود بعدد من قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي - فيما يعرف باسم لجنة كسينجر - وكلفهم بتقديم توصيات حول أفضل السبل التي يمكن للولايات المتحدة من خلالها مساعدة دول أميركا الوسطى في القضاء على حركات حرب العصابات المدعومة من كوبا والاتحاد السوفياتي عبر تعزيز الديمقراطية والتنمية الاقتصادية. واجه ريغان معارضة قوية من بعض الدوائر في واشنطن، لكن سياساته - والتضحيات التي قدمها بعض أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة - أسهمت في تحقيق ثلاثة عقود من السلام النسبي والتنمية الاقتصادية في أميركا الوسطى.

ولسوء الحظ، تقف هذه المكاسب في الوقت الراهن على المحك. فالتحديات التي تواجهها المنطقة الآن لا تتعلق بالآيديولوجيات الآن بقدر ما تتعلق بالجريمة والفساد الذي يهدد بتقويض المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون والأمن العام.

حظ المنطقة محصور بين دولتين: المكسيك وكولومبيا، اللتين شنتا مؤخرا هجمات ضد منظمات تجارة المخدرات. ربما كان ذلك أمرا محمودا، عدا أنه دفع تلك المنظمات الإجرامية إلى نقل عملياتها إلى مناطق أكثر قبولا لذلك. وتحملت أميركا الوسطى العبء الأكبر من هذا الهجوم، فقد دخلت القوات الإجرامية التي تتفوق على قوات الشرطة الصغيرة في تلك البلاد من ناحية الموارد والأسلحة والقسوة إلى دول تلك المنطقة. فقد أغرت أموال المخدرات المسؤولين والمؤسسات الفاسدة لتكوين بيئة متساهلة تجاه عمليات تهريب المخدرات. هذا الفساد، الذي بلغ أعلى مستويات حكومية، يهدد بشكل مباشر الديمقراطية والأمن الإقليمي ومصالح الولايات المتحدة.

ففي الهندوراس حال الناخبون مؤخرا دون عودة الرئيس السابق مانويل زيلايا للعودة إلى السلطة برفض ترشيح زوجته تشيومارا كاسترو للرئاسة. وكان زيلايا قد عزز من سلطاته عام 2009 بعد محاولات غير شرعية لتعديل الدستور عام 2009. كما تلاحقه أيضا اتهامات بصلاته الوثيقة بتجارة المخدرات. الإحصاءات مخيفة، فتشير تقديرات وزارة الخارجية إلى أن نحو 87 في المائة من رحلات تهريب الكوكايين التي تغادر أميركا الجنوبية تحط أولا في هندوراس. وتتطلب مواجهة هذا التهديد رغبة حكومية في التعاون مع الولايات المتحدة ودول جوارها لمنع تقديم الملاذ لعصابات المخدرات.

مبعث القلق الجديد هي السلفادور، والتي ستنتخب رئيسا جديدا في الثاني من فبراير (شباط)، فقد أوردت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» في عام 2011 تقريرا أشارت فيه إلى أن «عصابات تهريب المخدرات المكسيكية تتسلل سريعا إلى أميركا الجنوبية واصفة السلفادور بأنها الممر السهل. كما وصف التقرير السنوي للهيئة الدولية لمراقبة المخدرات لعام 2013 السلفادور بأنها «دولة عبور رئيسة للمخدرات غير القانونية المتوجهة إلى الولايات المتحدة من دول المصدر في أميركا الجنوبية».

وسيواجه المرشح الرئاسي لحزب جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني وهو أحد مقاتلي حرب العصابات السابقين في السلفادور سانشيز كيرين، عمدة سان سلفادور السابق، ومرشح حزب المعارضة نورمان قويجانو. وكان موريسيو فونيز، مرشح حزب جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني، قد فاز قبل أربع سنوات بفارق ضئيل نسبيا، لكن سانشيز كيرين وحلفاءه ينتمون إلى العناصر المتشددة للحزب، وبعضهم يرتبط بصلات مباشرة بعصابات تجارة المخدرات وحكومة فنزويلا.

من بين المشاركين الرئيسين في تجارة المخدرات في أميركا الوسطى جماعة فارك الكولومبية، التي انتقلت على مدى سنوات من النضال المسلح إلى تجارة المخدرات. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن فارك تجني سنويا ما بين 500 إلى 600 مليون دولار من عائدات بيع المخدرات.

وتشير ملفات فارك التي جرى الاستيلاء عليها في غارة للقوات الكولومبية عام 2008 إلى الارتباط بين فارك وزعيم جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني خوسيه لويز ميرينو، الذي يعد سانشيز كيرين ساعده الأيمن. ويرى الصحافي المخضرم جوزيه دي كوردوبا أن ميرينو كان رجل فارك في السلفادور. كما نشرت صحيفة «إيه بي سي» الإسبانية الشهر الماضي تقريرا كشفت فيه عن ترتيب ميرينو لقاءات بين المافيا الإيطالية وأباطرة المخدرات في فارك.

والتأثير المتوقع لفوز سانشيز كيرين على الأمن الأميركي - السلفادوري والتعاون في مجال مكافحة المخدرات خطر للغاية. فالولايات المتحدة تحتل موقعا متقدما في العمل في السلفادور لمراقبة ودعم تجارة المخدرات، ويتعاون مكتب التحقيق الفيدرالي مع السلطات المحلية في منع عمليات التهريب التي تقوم بها العصابات السلفادورية. فهل سنتمكن من مواصلة هذه الأنشطة في ضوء علاقات جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني بمنظمة فارك والحكومة الفنزويلية؟

مرة أخرى تقف الديمقراطية والسلام في أميركا الوسطي على المحك. هذه المرة يأتي التدخل من عصابات الجريمة الثرية ثراء فاحشا. وموقف الولايات المتحدة الحيادي في الانتخابات صائب، لكن ميلنا نحو زيلايا في هندوراس عام 2009 وإخفاقنا اليوم في الإعراب عن مخاوفنا بشأن علاقات جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني بعصابات المخدرات، يمكن أن يؤدي إلى انحدار الانتخابات أيضا. وإذا ارتقى أشخاص مثل كوماندانتي راميرو إلى السلطة، فربما يفقد السلفادوريون كل أمل في الديمقراطية والسلام، وكذلك آمالنا في استمرار التعاون لمواجهة تجارة المخدرات.

* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة