بناء مستقبل اقتصادي مشترك في المغرب العربي

بناء مستقبل اقتصادي مشترك في المغرب العربي

الأربعاء - 8 جمادى الآخرة 1440 هـ - 13 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14687]
د. جهاد أزعور
- مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي

في عام 1989، أي منذ ثلاثين عاماً بالتحديد، قامت البلدان المغاربية الخمسة - الجزائر وليبيا وموريتانيا والمغرب وتونس - بإنشاء اتحاد المغرب العربي لتشجيع التعاون والاندماج بين الدول العربية الواقعة في شمال أفريقيا. وفي ذلك الوقت، كان ثمة إدراك واسع النطاق بأن هناك مزايا واضحة يمكن تحقيقها من زيادة الاندماج الاقتصادي. ومن المؤسف أن هذه الجهود تعثرت منذ ذلك الحين. وبعد مرور ثلاثين عاماً على هذه المحاولة الأولية، يبقى سؤال أساسي: ألا تزال المزايا قائمة أمام المغرب العربي ليشق طريقه نحو مستقبل اقتصادي أكثر وحدة؟

وبينما تتأجج التوترات التجارية على الصعيد الدولي، وتخضع التكتلات الاقتصادية الإقليمية في الأميركتين وفي أوروبا للضغوط، تظل الأدلة قائمة على أن اندماج الاقتصادات المتجاورة يعود عليها بمنافع مشتركة ويمثل مصدراً مهماً للنمو طويل الأجل. وحتى في المناخ السائد حالياً، ينبغي أن يُذَكِّر بعضنا بعضاً بمزايا الشراكة.

وتشترك البلدان المغاربية في التاريخ والثقافة واللغة. وتتميز بموقعها الاستراتيجي بين الاقتصادات المتقدمة الأوروبية في الشمال واقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء النامية ذات الإمكانات الكبيرة في الجنوب.

وتواجه كل الاقتصادات المغاربية، على تنوعها، تحدياً مشتركاً يتمثل في توفير الفرص للجميع. وقد استمر النمو شديد الانخفاض لمدة بالغة الطول في المنطقة، ولم يسهم بالقدر الكافي في خلق وظائف ومسارات جديدة تتيح النجاح للجميع. وتبلغ البطالة 11 في المائة، وهو معدل لا يزال مرتفعاً، وخاصة للشباب (24 في المائة) والنساء (14 في المائة)، حتى مقارنة بأجزاء أخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد حدث تحسن طفيف في مستوى الفقر وعدم المساواة منذ الانتفاضات العربية.

وحققت البلدان المغاربية تقدماً كبيراً في التجارة كل على حدة، لكنها كمنطقة لا تزال من أقل المناطق اندماجاً على مستوى العالم، حيث تمثل تجارتها الإقليمية البينية أقل من 5 في المائة من تجارتها الكلية، وهي نسبة أقل بكثير من المحقق في كل مناطق التجارة الإقليمية الأخرى حول العالم. ففي آسيا على سبيل المثال، حيث بلغ متوسط النمو السنوي للعقد الماضي قرابة 6 في المائة، تمثل التجارة الإقليمية البينية 51 في المائة من التجارة الكلية. والواقع أن الاعتبارات الجغرافية - السياسية والسياسات الاقتصادية التقييدية ساهمتا في نقص الاندماج الإقليمي في المغرب العربي.

ونتيجة لذلك، ليس لأي بلد من البلدان الخمسة شريك تجاري رئيسي من جيرانه في المنطقة المغاربية، كما أن التجارة المغاربية البينية لا تشمل إلا سلعاً قليلة، أغلبها من السلع الأولية. وتحقق التجارة في الخدمات، وخاصة السياحة، نمواً في الوقت الراهن، ولكنه نمو بطيء. كذلك فإن استثمارات الأعمال محدودة بين بلدان المنطقة مقارنة بالمناطق الأخرى، والاندماج المالي ضعيف عبر الحدود، والهجرة الرسمية البينية تبدو هامشية.

وقد بدأت قضايا التجارة الشاملة والاندماج تحتل موقع الصدارة. فمنذ نحو عام، التقى في مدينة مراكش ممثلون لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك كل البلدان المغاربية، لمناقشة كيفية تعزيز النمو والوظائف والاحتوائية في العالم العربي. وتم تحديد التجارة كإحدى أهم الأولويات على صعيد السياسات. أما اليوم، فأهم مسألة تواجه البلدان المغاربية هي كيفية تسخير إمكانات الاندماج الإقليمي كأداة إضافية لزيادة النمو وخلق الوظائف والحد من عدم المساواة. وإذ نتطلع إلى الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تعقد في مراكش عام 2021. نقف على أهبة الاستعداد لدعم جهود المنطقة لتحقيق التكامل الإقليمي.

ويوضح بحث الصندوق الصادر مؤخراً أن زيادة الاندماج بين البلدان المغاربية يمكن أن تخلق سوقاً إقليمية لقرابة 100 مليون نسمة يبلغ دخلهم المتوسط نحو 12 ألف دولار على أساس تعادل القوى الشرائية. ومن شأن الاندماج أن يجعل المنطقة أكثر جاذبية للأعمال التجارية الأجنبية والمستثمرين الأجانب، ويخفض تكلفة التجارة الإقليمية البينية وحركة رأس المال والعمالة، ويرفع كفاءة الإنفاق الحكومي. ومن شأنه أيضاً أن يجعل المغرب العربي أكثر صلابة في مواجهة الصدمات الاقتصادية وتقلب الأسواق.

وحسب بعض التقديرات، يمكن أن يساهم الاندماج الإقليمي في رفع النمو في كل بلد من بلدان المنطقة بنحو نقطة مئوية واحدة في المتوسط على المدى الطويل. ويشير تحليلنا إلى أن كل بلد مغاربي تقريباً يستطيع تحديد مجموعات منتجات كاملة يمكن تصديرها إلى بلدان الجوار. بل إن التجارة الإقليمية البينية قد تتضاعف بسبب الاندماج - مما يشكل دعماً أكبر للنمو والتوظيف.

ويمكن للاندماج أيضاً أن يدعم خلق سلاسل قيمة إقليمية ويجعل من المغرب العربي مركزاً للتجارة والاستثمار بين بلدان أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا. وأخيراً، فإن زيادة الاندماج يمكن أن تزيد من القدرة التفاوضية للمنطقة في المجالات ذات الاهتمام المشترك.

إن التحديات التي تواجه النمو والوظائف كبيرة. وينبغي ألا يُترَك مصدر للرخاء من دون أن يُستغل.

* مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو