للتسامح والأُخوَّة بداية في الطائف

للتسامح والأُخوَّة بداية في الطائف

الأحد - 5 جمادى الآخرة 1440 هـ - 10 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14684]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
عادت بي الذاكرة وأنا أتابع الحدث الروحي والتاريخي المتمثل بزيارة البابا فرنسيس إلى أبوظبي يومي الاثنين 4 والثلاثاء 5 فبراير (شباط) 2019 ولقائه على الأرض الإماراتية بشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيِّب، ثم ما صدر عن هذه القمة المسيحية – الإسلامية من خير رؤية للعيش بين الديانتيْن المنتشرتيْن في بقاع كبرى وصغرى من القارات الخمس، إلى حدثيْن أسَّسا على ما يجوز القول لتلك القمة المأمول وفاقاً أخوياً روحياً من تفعيل جوهر «وثيقة الأخوَّة الإنسانية» التي صدرت عنها.
الحدث الأول هو لقاء استضافتْه المملكة العربية السعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 1989 وأدى فيها خير السعي والحرص أبناء الملك عبد العزيز من ولي الأمر زمنذاك الملك فهد إلى أشقائه وإخوانه وهم عموماً حادبون على لبنان المسلم - المسيحي، وأكثرهم حدباً الملك سلمان والملك عبد الله والأمير سلطان والأمير طلال. وكان هذا الحدْب من حُسْن حظ اللبنانيين الذين كانوا وهم على أرض وطنهم يتطلعون إلى أن يثمر اللقاء المستضاف في الطائف حلاً يُطوى بموجبه الاشتباك على أنواعه بين الأطياف اللبنانية وتبدأ صفحة العيش الوفاقي والمباشرة ببناء ما جرى تدميره وإزالة البغضاء بالتدرج من بعض النفوس الأمَّارة بالأحقاد والتعصب.
واستذكار ما أثمره لقاء الطائف هو لأن ملامح عقيدة التسامح والوفاق الإسلامي - المسيحي، الذي ركز عليه اللقاء الروحي في أبوظبي ممهوراً بتوقيع كل من البابا فرنسيس وشيخ الأزهر على «وثيقة الأُخوَّة الإنسانية» وبجمع بشري إيماني غير مسبوق من الشهود الذين حضروا الصلاة البابوية على أرض سبق أن حوَّلها قبل نصف قرن مؤسس الاتحاد الإماراتي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى بقاع خضراء، انطلقت منذ أن استطاع المضيف السعودي تهدئة النفوس تمهيداً لاستعادة العيش التسامحي بين الطوائف اللبنانية المتمثلة في لقاء الطائف برموز الشرعية التي كادت تُسفح لولا المداواة التي حدثت نصحاً وتحفيزاً من مرجعية تريد الخير والسلامة ومن أجْل ذلك كان سعيها عربياً ودولياً كي لا ينتهي اللقاء في الطائف مجرد مصالحة لا تلبث أن تهتز أمام عاصفة خلافية، وإنما ميثاق عيش مشترَك تحميه مرجعيات وبذلك يبقى ثابتاً لا مجال أمام الذين يحاولون لدواعٍ دون المبدئية الوطنية التعامل مع مضامينه وكما لو أنها مادة ملتبسة في دستور أو عبارات وردت في تصريح. وزيادة في التوضيح نقول إن اتفاق الطائف غير قابل لأي تعديل كونه أكثر ثباتاً من الدستور الذي هو في الأصل ليس لبناني الصياغة وجرى سبْك مواده من طرف أجنبي، في حين أن ميثاق الطائف لبناني الصياغة فضلاً عن أنه مثلث المرجعيات، لبنانية – عربية - أممية. ولكي يتطلع متطلعون إلى إعادة النظر في بعض بنوده أو ربما طي أوراقه والبدء باستنباط صيغة ترضي أمزجة أو طموحات البعض فإن الأمر يتطلب فتوى لبنانية شاملة ومعها فتوى عربية جامعة ومعها قرار من الأمم المتحدة. وعلى هذا الأساس فمن الأفضل أن يكف الذين ينادون بين الحين والآخر بالصوت المذهبي همساً أو من خلال عبارات بين سطور التصريحات، عن هذه التحرشات والالتفاف حول هذا الاتفاق الذي نادى وسعى وثبَّت قبل ثلاثين سنة الدعوة إلى التسامح على نحو ما لمسناه يتجدد في جوهر اللقاء في دولة الإمارات والذي كان من مصلحة النظام الإيراني اغتنام هذه اللحظة التاريخية المتزامن حدوثها مع أربعينية الثورة الخمينية وذلك من خلال الترحيب بالحدث التاريخي... بل واستباق يوم اللقاء المسيحي - الإسلامي (السُني) بإبداء الرغبة في المشاركة فيه، وعندها تشكِّل المشاركة التئاماً للدين الحنيف بحيث إن هناك إسلاماً محمدياً واحداً لا إسلامان، وخشبة خلاص للنظام الإيراني الذي يُكثر من التهديدات الصاروخية في وقت ملأت أجواء المنطقة على مدى يوميْن نسائم طيِّبة ودعوة إلى التسامح بدل التحرش الذي لا جدوى منه وإن طال الإصرار والعناد وتنوعت الأساليب، وطي صفحات البغضاء وانتهاج ما يريد الله سبحانه وتعالى والأنبياء لبني الإنسان وعلى قاعدة القول الكريم «وليعفوا وليصفحوا ألا تُحبون أن يغفر الله لكم» والنصيحة الطيِّبة مَن يعمل خيراً خيراً يرى ومَن يعمل شراً شراً يلقى. هنا أستحضر رؤية مسلمة شيعية وضعها أمام البابا (السابق) يوحنا بولس الثاني يوم 29 مارس (آذار) 1985 رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني الذي يُنظر إليه على أنه ضمير صيغة اتفاق الطائف وحامل مفتاح «الخزنة اللبنانية» لمحاضر الاجتماعات في الطائف التي أثمرت ذلك الاتفاق. فالذي حدث أن الفاتيكان وجَّه دعوة إلى الرئيس الحسيني للقاء البابا لأنه يريد أن يسمع من هذا الرمز الشيعي بالذات كيف هي النظرة إلى الفكرة التي تنشط إسرائيل بتسويقها وتتلخص بقبرصة لبنان. وكان الشرح الحسيني وكيف أن ما ينطبق على قبرص ذات المذهبيْن ولذا انتهت إلى تقسيم (قبرص مسلمة تركية وقبرص مسيحية يونانية) لا ينطبق على لبنان حيث العائلة الواحدة اسماً متنوعة المذاهب وأن هناك الحسيني الشيعي والحسيني الماروني. وما يقال عن هذه العائلة يقال عن عشرات العائلات. ومن هذه الرؤية التوضيحية جاء القول الفصل للبابا يوحنا بولس الثاني «لبنان أكبر من وطن إنه رسالة». ولقد أكد البابا يوحنا رؤيته هذه من خلال زيارته التاريخية إلى لبنان يومي 10 و11 مايو (أيار) 1997 والتي هي توأم زيارة البابا فرنسيس بعد 22 سنة إلى دولة الإمارات.
الحدث الثاني يتمثل في الزيارة التاريخية أيضاً التي قام بها البطريرك الكاردينال مار بطرس بشارة الراعي إلى الرياض يوم الثلاثاء 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 وكانت إذا جاز القول من إفرازات ما حققه اتفاق الطائف. كما كانت بالتالي إشارة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الذي طالما وهو أمير الرياض كان سند شقيقه الملك فهد في سعيه من أجْل أن تنتهي المشاورات العربية إلى جمْع الشتيتيْن اللبناني المسيحي – المسلم في لقاء يناقش مَن يناقش ويقترح مَن يقترح ويحث مَن يحث في لحظة غضب، إنما بعد ذلك تقرر أطياف الشتيتيْن التوصل إلى كلمة سواء.
وهكذا فإن زيارة البطريرك الراعي والترحيب الذي لقيه من الملك سلمان ومن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إنما كانت لتحفيز اللبنانيين من أجْل إنعاش أجواء التسامح التي تحققت في اتفاق الطائف ثم اقتحمتها موجات من التلبد نتيجة تنشيط المشروع الإيراني الذي لا مكان للتسامح في قاموس ثورته.
ولعل ما نقله ممثل الطائف الرئيس حسين الحسيني إلى البابا يوحنا بولس الثاني وأيضاً ما نقله لاحقاً البطريرك الراعي إلى البابا فرنسيس عن لقائه بالملك سلمان وولي العهد، غداة عودته من الرياض إلى الفاتيكان، زادت البابا تصميماً على تحقيق الحدث الروحي التاريخي الذي تم في رحاب دولة الإمارات.
وهكذا فإن للتسامح والأخوة الإسلامية – المسيحية بداية أشبه بمحاولة أو شتلة غرست وها نحن رأيناها شجرة بثمار يشتهيها الاستقرار المنشود في المنطقة. والمهم صفاء القلوب وصِدْق النوايا. بورك السعي وسُعاة الخير ماضياً وحاضراً ودائماً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة