وائل مهدي
صحافي سعودي متخصص في النفط وأسواق الطاقة، عمل في صحف سعودية وخليجية. انتقل للعمل مراسلاً لوكالة "بلومبرغ"، حيث عمل على تغطية اجتماعات "أوبك" وأسواق الطاقة. وهو مؤلف مشارك لكتاب "أوبك في عالم النفط الصخري: إلى أين؟".
TT

رياح عكسية من الصين

تظل الصين أهم عوامل استقرار سوق النفط لأنها المستورد الأكبر حالياً لهذه السلعة الحيوية. ولعبت الصين دوراً كبيراً في إعادة التوازن للسوق في عامي 2017 و2018 بفضل النمو في استهلاكها اليومي، فلولا هذا النمو لما كان بمقدور منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» وحلفائها في تحالف «أوبك+» تسريع توازن السوق حتى مع كل التخفيضات في الإنتاج التي قدموها.
ففي الوقت الذي كانت فيه «أوبك+» تخفض الإنتاج، كانت الولايات المتحدة تزيد من صادراتها إلى الصين بشكل كبير إذا ما نظرنا لهذا ليس من ناحية الحجم بل من ناحية النسبة المئوية والحصة السوقية. وأي كمية تصدرها الولايات المتحدة هي كمية يتم تخفيضها من الاستهلاك الأميركي أو من المخزونات، وهذا ما جعل السوق الأميركية (وهي أكثر الأسواق شفافية) تظهر علامات التعافي مبكراً.
ولهذا يمكن القول بسهولة أنه إذا عطست الصين أصيب النظام النفطي العالمي بالإنفلونزا.
وحتى العام الماضي كانت الأمور مشرقة من الصين، وظلت ورادتها من النفط في زيادة لدرجة أنها بلغت في ديسمبر (كانون الأول) 10.35 مليون برميل يومياً، وهي المرة الثانية في تاريخ البلاد التي تخترق فيها الواردات حاجز 10 ملايين برميل يومياً. فهل ستظل الأمور هكذا في 2019؟!!
في هذا العام تواجه السوق النفطية رياحا معاكسة قادمة من الصين، قد تؤثر في نمو الطلب على النفط وتجعل تحالف «أوبك+» مضطراً لبذل المزيد من الجهد للحفاظ على توازن السوق.
ولخصت وكالة «بلاتس» لتسعير النفط العوامل المؤثرة في سوق الصين هذا العام في تقرير حديث لها على النحو التالي: تباطؤ نمو الصين، والفائض في الطاقة التكريرية للبلاد، والحرب التجارية مع الولايات المتحدة، واستعداد قطاعها التكريري للقوانين الجديدة التي ستفرضها المنظمة البحرية الدولية على وقود السفن، وتغيير سياسات أسعار الوقود المحلي.
وفي ظل كل هذه العوامل المقلقة، كيف من الممكن أن نفسر النمو الأخير في الطلب على النفط في الصين، حيث نمت وارداتها منه بنسبة 10 في المائة في 2018؟ هناك تفسير منطقي ومعقول لهذا الأمر، وهو زيادة تخزين النفط. إذ إن أسعار النفط المنخفضة تشجع الشركات الصينية على شرائه الآن قبل أن ترتفع الأسعار نتيجة الاتفاق الأخير لتحالف «أوبك+»، حيث يهدف التحالف إلى إعادة التوازن للسوق وهذا بطبيعة الحال سينعكس على أسعار النفط صعوداً.
وبالعودة إلى تقرير «بلاتس»، فأول العوامل التي ذكرها التقرير هي تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني. ففي هذا العام التوقعات كلها غير مطمئنة بالنسبة للاقتصاد الصيني، وهذا سينعكس بلا شك على نمو الطلب على النفط. ففي هذا العام من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 6.2 في المائة طبقاً لتوقعات أحد مراكز الأبحاث التابعة لشركة «ساينوبك» النفطية المملوكة للدولة. وفي العام الماضي نما الاقتصاد الصيني بنسبة 6.6 في المائة، فيما نما في 2017 بنسبة 6.9 في المائة بحسب نفس المصدر. وهنا نلاحظ أن نسبة نمو الاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة هي نصف نسبة النمو قبل عشر سنوات، مع الحرب التجارية الأميركية قد يتباطأ النمو أكثر.
وتتوقع وكالة «بلاتس» أن تستورد الصين هذا العام 9.7 مليون برميل يومياً، مما يعني نموه بنحو 450 ألف برميل يومياً مقارنة بالعام الماضي. فيما نمت في 2018 بنحو 590 ألف برميل يومياً، بعد نموها في 2017 بنحو 720 ألف برميل يومياً. وهذا يظهر تباطؤاً في نمو الواردات للسنة الثانية على التوالي، فهي تنمو ولكن بمعدلات أقل عاماً بعد عام.
العامل المقلق الآخر هو أن الصين تسعى لتحرير أسعار الوقود في 2019 - 2020 ضمن خطتها الخمسية الثالثة عشرة، وهذا قد يقلل من استهلاك الوقود ويضعف الطلب.
ماذا يعني كل هذا بالنسبة لتحالف «أوبك+»؟ يعني أن عليهم التمسك باتفاق خفض الإنتاج حتى نهاية العام، ولا يوجد لديهم حل آخر لموازنة السوق طالما هناك مخاوف من جانب الطلب.