أحياناً نادرة، يجد المرء نفسه محشوراً في زاوية ضيقة جداً مبعثها شعوره بالقصور عن فهم ما يحدث من معطيات ومجريات، في واقع سياسي يعدّ بالمقارنة بغيره شديد الوضوح ومحدود العناصر، لكنه في الوقت نفسه بالغ التعقيد، وتعقيده ليس ناجماً عن صعوبة تعقد تضاريسه، لكن من شدة لا معقوليته وانفلات منطقه.
ولتوضيح الأمور أكثر؛ فإنني أعترف بعجزي مؤقتاً عن استيعاب مكونات المعادلة السياسية، التي تربط بين تمكّن الجهات الأمنية في ليبيا مشكورة من كشف واحتجاز شحنات أسلحة وذخائر قادمة بكميات كبيرة من تركيا إلى موانئ بحرية ليبية مرسلة إلى جهات أو أشخاص في ليبيا، يقابلها في الجهة الأخرى صمت مريب جداً سياسياً من الدوائر المسؤولة في ليبيا، رغم ردة فعل الشارع الليبي والغضب الذي يكاد يتحول إلى غليان.
ويمكن القول إن عام 2018 وبداية عام 2019 كانا حافلين بأخبار شحنات الموت القادمة من تركيا إلى ليبيا، محملة بمتفجرات وذخائر وأسلحة وجدت مخفية في حاويات مع لعب أطفال ومواد منزلية وبناء وغيرها.
في الأيام الأخيرة الماضية تمكن جهاز الجمارك في ميناءين بحريين ليبيين - الخمس ومصراتة - من كشف حاويات تحمل شحنات كبيرة من المسدسات والطلقات والبنادق. وفي شهر يناير (كانون الثاني) من عام 2018 تمكنت السلطات الأمنية اليونانية من إيقاف سفينة محملة بشحنة متفجرات كبيرة الحجم في طريقها إلى ليبيا قادمة من ميناء بحري في تركيا.
تركيا طرف من أطراف إقليمية ودولية عدة منخرطة حدّ التورط الجنائي في عملية سكب البنزين على نار النزاع المستعر على السلطة في ليبيا منذ سنوات، بغرض تعطيل وصول ليبيا إلى بر الأمان، وبدء مرحلة الاستقرار الذي يتيح لأبنائها تأسيس دولة ديمقراطية أساسها المساواة أمام القانون، واستتباب العدل والنظام؛ وذلك بتمويلها بعض الأطراف على حساب أطراف أخرى بالمال والسلاح والدعم السياسي، وهذه الأطراف المدعومة من تركيا معروفة جداً لجميع من له علاقة بالشأن الليبي، بعد سقوط النظام العسكري عربياً وإقليمياً ودولياً، سواء المتورط منها فعلياً في الساحة أو المراقب من بعيد.
تركيا طرف متورط في معركة، وفي تنافس محموم مع أطراف أخرى للدفاع عن مصالحها؛ بهدف الفوز بحصة من الغنيمة الليبية السائبة، وما تفعله تركيا أو غيرها من الأطراف يعد متوقعاً في لعبة مكشوفة وواضحة الأطراف إقليمياً ودولياً وساحتها ليبيا، وغير محظور فيها الضرب تحت الحزام.
هذه أولى الأثافي، ما ليس متوقعاً هو هذا الصمت المريب من جانب المسؤولين الليبيين تجاه ما تم كشفه مؤخراً في الميناءين المذكورين، وعدم صدور ولو تصريحاً إعلامياً واحداً يدين حتى شكلياً الدولة المصدرة لشحنات الموت لليبيا ويدعوها للتوقف.
بالتأكيد، نحن لا نتوقع من هذه الجهات رفع مذكرة شكوى لمجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة، أو لغيرها من المنظمات ذات الصلة لوجود بعثة دولية رسمية يرأسها مبعوث رسمي مقيم في ليبيا، وعلى دراية بأدق تفاصيل ما يحدث. وهذه ثانية الأثافي.
أما ثالثة الأثافي، فهي أنه رغم تكرر وصول شحنات الموت التركية إلى موانئ ليبيا البحرية، وردة فعل الشارع الليبي الغاضية جداً، فإنه وإلى هذه الساعة لم يتم الكشف رسمياً عن الجهات التركية المصدرة لهذه الشحنات، ولا إلى الجهات الليبية أو الأفراد المتورطين في توريدها حسب إفادات بيانات بوليصات الشحن والتصدير والتخليص الجمركي، المتوافرة لدى الجهات الأمنية المسؤولة، وملاحقتهم قانونياً، وتقديمهم للعدالة لينالوا ما يستحقون من جزاء؟
قد نتفهم معنى سكوت وصمت الجهات المسؤولة لمرة ولمرتين، ولربما نجد لها المبررات والأعذار، ونتفهم رغبتها في العمل على معالجة الموضوع عبر القنوات الدبلوماسية بعيداً عن الإثارة الإعلامية وغيرها، أما أن يتواصل وصول شحنات الموت وتصرّ هذه الجهات على التزم الصمت المطبق، حتى بعد شيوع خبر محاولة اغتيال ضابط التحقيق في شحنة ميناء الخُمس، ونجاته منها بلطف من الله من دون صدور ولو بياناً يتيماً بالإدانة، فذلك أمر يصعب تفسيره أو إيجاد مبرر له.
الصمتُ ليس دائماً من ذهب، وليس دائماً من الحكمة في شيء، دسُّ الرؤوسِ في رمل ملوث بدم أناس أبرياء إن كنتم لا تعلمون.
لقد وضح كل شيء، والأصابع تتجه نحو من يرغب في دمار ليبيا، وانتزاعها خالصة له، فهل يرضى ليبيون أن يخربوا بيوتهم بأيديهم ويجعلوا مستقبل أولادهم وأحفادهم مرتهناً في أيدي هذه القوى التي تسعى إلى هلاك الليبيين والقضاء على دولتهم ونهب ثرواتهم في وضح النهار؟
TT
متى ستتوقف شحنات الموت التركية إلى ليبيا؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
