لماذا تدريس الإنجليزية للإرهابيين ليس عملاً من أعمال الحرب؟

لماذا تدريس الإنجليزية للإرهابيين ليس عملاً من أعمال الحرب؟

الاثنين - 8 جمادى الأولى 1440 هـ - 14 يناير 2019 مـ رقم العدد [14657]
نوح فيلدمان
أستاذ القانون بجامعة هارفارد وكاتب بموقع «بلومبيرغ»

أعلن حلفاء الولايات المتحدة في سوريا عن اعتقالهم مواطناً أميركياً بعث بسيرته الذاتية إلى تنظيم داعش الإرهابي عارضاً خدماته عليهم، ثم انطلق منضماً إلى صفوفهم للعمل كمعلم للغة الإنجليزية. ولقد أُثيرت مشكلة كيفية التعامل مع الرعايا الأميركيين العاملين في صفوف التنظيم الإرهابي من قبل.
ويبدو أن هناك تطوراً ما في هذه المسألة: فالمواطن المدني الذي تطوع تلقائياً للانضمام إلى صفوف تنظيم داعش وعمل لصالح التنظيم بصفته المدنية فقط لا يمكن معاملته كأسير حرب.
بدلاً من ذلك، إن الخيار القانوني الرئيسي بشأنه يكمن في إعادته مرة أخرى إلى الولايات المتحدة وتقديمه للمحاكمة بجريمة توفير الدعم المادي للإرهاب.
وسواء كان للأفضل أم للأسوأ، فلقد قررت المحكمة العليا الأميركية أنه تمكن إدانة شخص ما بجريمة توفير الدعم المادي للإرهاب لمجرد تدريس اللغة الإنجليزية بالتنسيق مع إحدى الجماعات الإرهابية، حتى وإن لم يحمل هذا الشخص السلاح أو لم يمارس عملاً من أعمال الحرب أو القتال. وفي مثل هذه الحالة، ورغم كل شيء، فإن أفضل الخيارات القانونية المتاحة قد لا يكون متناسباً للغاية مع سلوك المواطن الأميركي المتهم بارتكاب هذه الجريمة.
وكان وارن كريستوفر كلارك هو الحالة الأحدث من بين العديد من الرعايا الأميركيين الذين انضموا إلى صفوف تنظيم داعش الإرهابي لتقديم خدماته بصورة من الصور، ثم تم إلقاء القبض عليه لاحقاً بواسطة القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية في العراق أو سوريا.
ونذكر حالة مماثلة للمواطن الأميركي محمد جمال خويس، من ولاية فيرجينيا، الذي أُلقي القبض عليه في نهاية ولاية الرئيس باراك أوباما للبلاد، وأعيد إلى الولايات المتحدة، وقُدم إلى المحاكمة الفيدرالية بتهمة توفير الدعم المادي للإرهاب. وفي أثناء محاكمته، دفعت وزارة العدل الأميركية بالأدلة التي تفيد خضوع خويس للتدريب لدى التنظيم الإرهابي كمقاتل في صفوف التنظيم فضلاً عن تطوعه لشن الهجمات الانتحارية. وتمت إدانته بما نُسب إليه من جرائم وحكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة 20 عاماً بقرار هيئة المحلفين في يونيو (حزيران) لعام 2017.
ولدينا حالة أخرى من وثائق محاكمة مواطن أميركي يُدعى جون دوي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» باسم «عبد الرحمن أحمد الشيخ»، والذي تعرض لعملية مختلفة وغريبة بعض الشيء. فلقد ألقي القبض عليه في سبتمبر (أيلول) من عام 2017، بعد تولي الرئيس دونالد ترمب رئاسة البلاد. وتم اعتقاله لدى الجيش الأميركي لمدة 13 شهراً في إحدى المنشآت العسكرية في العراق.
ودفع محاموه، الذين طعنوا في قانونية احتجازه من دون محاكمة، بأن موكلهم سافر إلى سوريا كصحافي حر، حيث أُلقي القبض عليه بواسطة عناصر تنظيم داعش الإرهابي، ثم عمل لديهم قسراً تحت التهديد كمسؤول وحارس لإحدى الحقول النفطية الخاضعة لهم. ثم احتجزه الجيش الأميركي لاتهامه بالتعاون كمقاتل لدى الأعداء – ثم جرى إطلاق سراحه في أكتوبر (تشرين الأول) - وسُحب منه جواز سفره الشخصي مع احتفاظه بالجنسية الأميركية.
وليس من المؤكد سبب إطلاق سراح «أحمد الشيخ» بدلاً من إعادته إلى الولايات المتحدة وتقديمه للمحاكمة. وأحد التفسيرات لذلك هو عدم تيقن المدعين الأميركيين من إمكانية إثبات انضمامه الطوعي إلى صفوف التنظيم الإرهابي. وهناك احتمال آخر يقول: إن المدعين أدركوا أنهم لن يتمكنوا من استخدام أي أدلة مستمدة من استجوابه حال احتجازه قيد الاعتقال العسكري لدى الجيش الأميركي.
بيد أن قضية كريستوفر كلارك مثيرة فعلاً للاهتمام لأنه إن تم الأخذ بالمستندات والوثائق فهو قد قرر الانضمام الطوعي إلى صفوف التنظيم تحت صفة مدنية وليست عسكرية. وما نعرفه عن انضمام كلارك إلى التنظيم الإرهابي مستمَدّ من تقرير صادر في فبراير (شباط) لعام 2018 الماضي عن برنامج التطرف التابع لجامعة جورج واشنطن.
ويتضمن التقرير طلب التقديم للوظيفة المرسل بالفاكس من طرف كلارك إلى مسؤولي التنظيم الإرهابي، مستخدماً اسماً حركياً هو «أبو محمد الأميركي».
وقال كلارك في رسالته إلى مسؤولي التنظيم إنه يبحث عن وظيفة «تدريس اللغة الإنجليزية للطلاب في التنظيم». ويبدو من الوثائق أنه أرفق سيرته المهنية مع طلب التقديم والتي شملت عمله السابق كمدرس معاون للغة الإنجليزية في ولاية تكساس.
إن كان كلارك قد قام «فقط» بتدريس اللغة الإنجليزية لصالح التنظيم الإرهابي، فمن المشكوك فيه أن تتمكن الحكومة الأميركية من احتجازه بصورة قانونية تحت ذريعة «المقاتل المعادي» أو «أسير الحرب». إذ بموجب قوانين الحرب، لا بد للمقاتل أن يكون عضواً عاملاً في إحدى الجماعات المسلحة. أما تدريس اللغة الإنجليزية فلا يجعله مقاتلاً بحال، إلا إذا كان يوفر تلك الخدمات لكونه جزءاً من جيش الأعداء.
وسوف يكون ممكناً من الناحية النظرية الدفع بأنه يجب اعتبار تنظيم داعش الإرهابي كياناً عسكرياً معادياً، وبالتالي فأي شخص يقدم أي نوع من الخدمات على الإطلاق للتنظيم تنسحب عليه صفة «المقاتل». بيد أن هذا يبدو مبالغة مفرطة في تقدير الأمر، على اعتبار أن التنظيم الإرهابي يسيطر بالفعل ويدير الأراضي التي استولى عليها. وعامل جمع القمامة لدى الحكومة السورية الذي واصل عمله المعتاد تحت حكم تنظيم داعش الإرهابي لا يمكن اعتباره «مقاتلاً» في صفوف التنظيم بأي حال.
وبالقياس، إذا كان كلارك قد انضم إلى صفوف التنظيم بغرض تدريس اللغة الإنجليزية للمتدربين العسكريين من أبناء التنظيم، وباشر عمله ذلك بالفعل، فمن المحتمل أن يؤهله تصرفه ذلك لاعتباره من المقاتلين مما يسوّغ اعتقاله لاحقاً. ولكن لا يزال يحتفظ بحقه في عقد جلسة استماع أمام محكمة استعراض الأوضاع القتالية، حيث يمكنه الطعن على التأكيد في أنه كان من المقاتلين العاملين في صفوف التنظيم الإرهابي.
لم يسبق أن دخل أي مواطن من مواطني الولايات المتحدة الأميركية قط إلى السجن الحربي في خليج غوانتانامو في كوبا – وفي أي حالة، وبموجب القانون الأميركي، لا يجوز نقل أي شخص من السجن الحربي في خليج غوانتانامو إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية. ولذلك، فإن كلارك لن يذهب إلى هناك أبداً.
وفقاً لذلك، أمام الحكومة الأميركية خياران إزاء كريستوفر كلارك. إما إطلاق سراحه وإما إعادته إلى البلاد للمحاكمة. وعلى العكس من قضية «أحمد الشيخ» سالفة الذكر، فإن كلارك لا يبدو أنه يحمل جنسية أخرى غير جنسيته الأميركية، ولا يمكن للحكومة الأميركية سحب جواز سفره وتركه ليعيش في أي دولة أخرى كانت.
وعلى الصعيد السياسي، من غير المرجح أن تعيد الحكومة الأميركية كريستوفر كلارك إلى البلاد لإطلاق سراحه هناك. فإن هذا يعني توجيه تهمة توفير الدعم المادي لتنظيم داعش الإرهابي.
وبموجب قرار المحكمة العليا الأميركية في قضية «هولدر» ضد «مشروع القانون الإنساني» لعام 2010، فإن التصرف الخاضع لحماية التعديل الدستوري الأميركي الأول – مثل تدريس اللغة الإنجليزية – قد يصبح غير قانوني إذا تم بالتنسيق مع جماعة إرهابية معينة مثل تنظيم داعش الإرهابي. وبالتالي، تمكن إدانة كريستوفر كلارك على أساس طلب التقدم لشغل الوظيفة المشار إليه آنفاً، على افتراض اعتباره دليل إدانة أمام المحكمة، بالإضافة إلى أي أدلة أخرى تتصل بما قدمه من خدمات للجماعة الإرهابية المسلحة حال انضمامه الفعلي إلى صفوفها.
فهل يعد كلارك مستحقاً فعلاً لحكم قضائي بالسجن الطويل الذي قد يحصل عليه حال محاكمته؟ من دون الوقوف على المزيد من المعلومات بشأن خدماته للتنظيم الإرهابي، فإنه يصعب التيقن من ذلك. لكن يبدو من الممكن على الأقل أن تكون هناك حالة عدم اتفاق بين ما يستلزمه النص القانوني حرفياً بشأن كلارك، وبين الاستجابة الأخلاقية الملائمة لمواطن تطوع تلقائياً لتقديم خدمات ذات طبيعة سلمية إلى كيان معادٍ.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو