سمعة البلاد وسمعة البشر!

سمعة البلاد وسمعة البشر!

الأحد - 7 جمادى الأولى 1440 هـ - 13 يناير 2019 مـ رقم العدد [14656]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر
لفت نظري التصريح الأخير للرئيس الصيني شي جينبينغ والخاص بتايوان، والذي قال فيه إنه لا يستبعد استخدام الخيار العسكري لضم «إقليم تايوان» للبلد الأم.
وتايوان «استقلت» وأسست لنفسها كيانا مستقلا بعيدا عن الصين التي ابتلعتها الشيوعية تحت مسمى الثورة الثقافية، بينما قاد القائد العسكري تشانج كاي تشيك تايوان التي سمت نفسها وقتها بجمهورية الصين الوطنية، وأخذت الخط الديمقراطي سياسيا، ودخلت في معسكر حماية الغرب واتبعت السياسة الرأسمالية الليبرالية.
ولكن نهوض الصين الأسطوري اقتصاديا والذي منحها قوة سياسية مهولة أدى إلى إصرار الصين على الدول أن تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان، وأن تكون الصين وحدها فقط من لديها الحق بحمل اسم الصين، وطبعا ساعدها على ذلك كونها عضوا دائما في مجلس الأمن، ونجحت في ذلك نجاحا باهرا. وتايوان كانت البلد النموذجي ومضرب الأمثال في سوء السمعة، فهي قامت اقتصاديا على التقليد الرديء والمبني على التكلفة الرخيصة والمواد غير الجيدة والمعتمدة على الشكل فقط، حتى تحولت الكلمة «تايواني» إلى كل ما هو رديء.
وبدأت الدولة كلها تحاول جاهدة تغيير الصورة الذهنية لتايوان، وعملت على استحداث حملات ترويجية عن صناعة «الجودة» في تايوان، وبعد أكثر من عشرين عاما تحولت الصورة تدريجيا لتصبح اليوم تايوان قصة نجاح للجودة في قطاعات الحاسوب المحمول والهواتف الذكية، بالإضافة لمجالات أخرى.
سمعة البلدان مثل سمعة البشر، وأخطر ما يهددها هو رسوخ الصورة الذهنية عند العامة عنها، وقتها سيكون من الصعب جدا تحويلها. هذا ما واجهته كل من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وإقناع العالم أنهما دولتا سلام ولا أطماع لديهما، وأنهما طلقتا النازية والفاشية بلا رجعة، وكل ما يهمهما الآن هو التنمية والاقتصاد. وهو كذلك ما تواجهه كل من باكستان ونيجيريا اليوم في مواجهة السمعة السيئة المتعلقة بالنصب والفساد المالي، وتواجه تايلاند نفس المشكلة فيما يخص الصورة الذهنية المرتبطة بالهوس الجنسي، حتى إنه لو تم الاتصال بأي أحد وقيل له إنه سيتسلم أهم جائزة بالعالم في مجاله، وذلك في حفل سيقام في تايلاند سيضحك عليه من سيسمع بهذا الخبر، هناك ارتباط ذهني عن دول بعينها منها من يحسن توظيفه اقتصاديا وفكريا ومنها من يفشل.
فهل ستشتري ساعة صناعة يونانية؟ أو تثق بمهندس برتغالي؟ ولكنك حتما ستثق بمصمم إيطالي ومهندس ألماني وصانع ساعات سويسري وطاهٍ فرنسي، إنها الصورة الذهنية التي جاءت عبر حصاد تراكمي والبقاء عليها إذا كانت الصورة إيجابية مكلف جدا، لأنه بحاجة إلى عمل دؤوب للغاية، والعكس أكثر تكلفة.
أراقب ما يحدث لدولة مثل إيران تدمر نفسها وسمعتها لأكثر من ثلاثة عقود الآن بشكل ممنهج، بعد أن كانت دولة تصدر الفنون وقائدة في الاقتصاد والتعايش، أصبحت خلية للإرهاب تصدر الفتن والدمار وعدوا للحياة، ولا أعلم كيف يمكنها الخلاص من السمعة الجديدة التي اكتسبتها، فلو جمعت كافة شركات العلاقات العامة لإحداث الضرر ببلد لما نجحت مثل الضرر الذي تسببت فيه إيران بحق نفسها.
السمعة كنز للبشر وللبلدان تتأثر سريعا وإصلاحها تحدٍّ هائل.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة