المؤلم والأكثر إيلاماً في قرارات الضرورة

المؤلم والأكثر إيلاماً في قرارات الضرورة

الأحد - 29 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 06 يناير 2019 مـ رقم العدد [14649]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
هذه المبادرة من جانب دولة الإمارات والمتمثلة بإعادة فتْح سفارتها في دمشق، والمتبوعة بتزكية بحرينية، والمسبوقتان بزيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى سوريا فيما أحوال النظام في كلا البلديْن ليست على ما يرام، إنما هي في مجملها من نوع المداواة التي لا بد منها للخطوات المؤلمة المشتركة وقبْل استفحال الخطر الأعظم على الكيان السوري المعتل. أما لماذا الخطوات المؤلمة مشتركة فلأن بعض القادة العرب بابتعادهم عن النظام البشَّاري تركوا النظام الإيراني يواصل التمدد في سوريا ويقاسم نظامها اتخاذ القرار. ثم هيأوا لروسيا تحقيق مبتغاها في أن يكون لها بدل موطئ القدم، استيطان قواعدي بري وبحري وجوي، ثم اقتسام سلطة اتخاذ قرارات ذات طابع سيادي مع النظام الإيراني. وهكذا للمرة الأولى يكون هنالك استيطانان على أرض دولة عربية وفي وقت واحد؛ استيطان أجنبي وآخر إقليمي حال دون اصطدامهما أن العلاقة الروسية – الإيرانية في أحسن حال.
في السنوات الأربع لترْك القادة العرب سوريا في عزلة عن شقيقاتها، وكان هذا الابتعاد هو ما يتمنى النظام الإيراني استمراره، لما كانت الفرصة المواتية لروسيا البوتينية تؤسس على الأرض السورية وفي ساحلها ما يجعلها تقارع النفوذ الأميركي.. أو على الأقل تتقايض معه حالات نفوذ متعددة.
في الأصل كان قرار العزل مؤلماً، حيث إن طرفيْن غير عربييْن حلّا محل الأشقاء العرب، مع الأخذ في الاعتبار أن القرار كان تنبيهاً وتحذيراً أكثر منه معاداةً للنظام علّه بالتنبيه والتحذير يرى مشروعية في الانتفاضة فيبادر إلى تصحيح المسار معتبراً أن الحقبة الأسدية الأولى حالة ظرفية مضت وليست إرثاً تراثياً.
وقرار مداواة العزل بأمل استعادة سوريا البشَّارية إلى فضائها العروبي هو أكثر إيلاماً، حيث إنه لا شيء تغيَّر بسبب التكبيل الإيراني – الروسي من إعادة نظر جذرية تبدأ بالمشاركة تحل محل الاستئثار وبانفراجات رحبة تكون بديلاً للتعامل الأمني في أقسى درجاته.
ما هو متوقع حدوثه أن سيناريو العودة العربية إلى مصر واستعادة المحروسة مكانها إلى جانب شقيقاتها، مرشح للتكرار بالنسبة إلى سوريا. وثمة أوجُه تشابه في البداية وفي النهاية، مع فارق أن العودة العربية إلى مصر جاءت بعد رحيل الرئيس أنور السادات. ومع أنه لا شيء تغيَّر وبقي الفعل الساداتي على حاله في عهد خليفته الرئيس حسني مبارك إلاّ أن اقتناع الذين عاقبوا مصر بأهمية عودتها، مع ما يحمل سعيهم من الفعل الأكثر إيلاماً، جعلهم يبادرون ويرون في السيناريو الذي كان إخراجه متقناً في قمة «منظمة المؤتمر الإسلامي» في الدار البيضاء (يناير/ كانون الثاني 1984)، أفضل معالجة للعودة المشترَكة: عودتهم إلى مصر وعودة مصر إلى مكانها ومكانتها ما دام عهد جديد بدأ.
في القمة الإسلامية حدث ما يمكن إيجاز ملامحه الأساسية في النقاط الآتية:
انتقلت الرئاسة من ملك المشرق فهد بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، إلى ملك المغرب الحسن الثاني. يفاجئ الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري أهل القمة، بطرح اقتراح يقضي بأن توجِّه القمة الإسلامية الرابعة الدعوة إلى جمهورية مصر العربية لكي تأخذ مكانها الشاغر في القمة. جاء الاقتراح خارج جدول الأعمال إلاّ أن الرئيس سيكوتوري بدوافع مشاعره الإسلامية والأفريقية المشترَكة مع مصر طرح اقتراحه.
كان البدهيُّ حصوله هو وقفة ضد الاقتراح ما دام خارج جدول الأعمال. لكن الأمور سارت على النحو الآتي: انفعل الرائد عبد السلام جلود الذي حضر نيابةً عن العقيد القذافي وهاجم الاقتراح. بل إنه استعمل مفردة «الجوسسة» مضافة إلى «الكولسة»، وانضم إليه رئيس الوفد السوري عبد الحليم خدام. ارتفعت وتيرة المساجلات من جانب ليبيا وسوريا بكثير من الحدة، ومن تونس بكلام يتسم بالاعتدال. تدخَّل الملك الحسن الثاني مقترحاً صيغة توفيقية. عاود جلود انفعاله مقارناً هذه المرة بين الرئيس السادات وخليفته الرئيس حسني مبارك. وعندما تحدَّث ولي عهد الأردن (زمنذاك) الأمير الحسن عن أهمية عودة مصر إلى الجمع الإسلامي داعياً إلى ضرورة التنسيق بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية استبد الغضب بعبد السلام جلود وقال إنه إذا تم الاتفاق بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية «فإن الجماهيرية الليبية ستثير حرباً أهلية في المنطقة وإن الأمة العربية مطالَبة بأن تتخذ الإجراءات الكفيلة باستعادة كل فلسطين قبْل نهاية هذا العام (1984)».
مرة أُخرى يؤيد عبد الحليم خدام، جلود، في ما قاله. وإزاء ذلك رفع الملك الحسن الثاني الجلسة. وبعد استئنافها كانت للرئيس جعفر نميري مطالعة عن أهمية عودة مصر إلى مكانها في «منظمة المؤتمر الإسلامي» وعن كيف أمَّنت وصول ياسر عرفات عبْر رحلته القسرية من طرابلس (لبنان) إلى بورسعيد عبْر مظلة جوية وبحرية لحمايته من اعتداء إسرائيلي عليه وخطْفه إلى تل أبيب. هنا قرر عرفات قول كلمة حق في مصر ورئيسها حسني مبارك، وأفاض في الحديث عن الحماية المصرية للسفن التي تنقل أفراد المقاومة الفلسطينية المبعدين من لبنان، وتلك رواية ذات فصول مثيرة يُضاء عليها ذات مقال.
أحدثت المطالعة العرفاتية حول مصر ارتياحاً لدى القادة المشاركين في القمة باستثناء جلود الذي قال «إن عودة مصر إلى المؤتمر الإسلامي تعني أسلمة كامب ديفيد»، وعبد الحليم خدام الذي وصف عودة مصر إلى مكانها عضواً فاعلاً في «منظمة المؤتمر الإسلامي» من دون إلغائها معاهدة «كامب ديفيد» بمفردات بالغة الخشونة مثْل قوله «إن عودتها في حال عدم الإلغاء قرار خياني وتفريط في قضية فلسطين».
حتى الآن بات واضحاً أن أكثرية القادة المشاركين ترى عودة مصر، بينما ليبيا وسوريا تعارضان وتسايرهما من دون حدة كل من اليمن الديمقراطي والجزائر وتونس وجمهورية بنين. وكان تأييد العراق لاقتراح عودة مصر لافتاً. إنما من دون أن تُسدل الستارة على مشهد المساجلات التي كان ختامها واقعة مثار استغراب وتتمثل في أن عبد الحليم خدام سأل سيكوتوري رئيس غينيا، إذا كان موافقاً على مشروع قرار يدعو إلى إسقاط معاهدة «كامب ديفيد» وأن سيكوتوري أجابه: لو كان رئيس بلدك هو الموجود وهو الذي يسألني لكنتُ أجبتُ وأوضحتُ. مشيداً بإنجازات عسكرية حققها السادات «ومن الخطأ التجريح بالأموات».
يطول الحديث عما جرى على مدى ثلاثة أيام من الأخذ والرد في مسألة استعادة مصر مكانها في «منظمة المؤتمر الإسلامي». انتهى الأمر إلى أنه تم الطلب من باكستان صياغة مشروع قرار في شأن عودة مصر إلى «منظمة المؤتمر الإسلامي». دعمت دول الخليج التكليف، وكانت طوال جلسات القمة غير مشاركة في المجادلات مكتفيةً بمشاورات ثنائية في الأروقة أو وراء الكواليس.
جاءت الصياغة متوازنة وتدعو جمهورية مصر العربية إلى استئناف عضويتها في المنظمة الإسلامية، وتشكيل لجنة من ثلاث دول تُجري اتصالات مع مصر بهدف الحصول منها على الالتزام بمبادئ وقواعد ومقررات منظمة المؤتمر الإسلامي واتخاذ الإجراءات الضرورية لتنفيذ هذا الالتزام. وكان شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، أول المبتهجين لأن القادة تجاوبوا مع مضمون برقية بادر إلى إرسالها إلى المؤتمر صبيحة انعقاده تحمل تاريخ 15 يناير 1984، وختمها بالقول «الأزهر يذكِّركم بأنكم المسؤولون أمام الله عما آلت إليه حال المسلمين فأدُّوا الأمانة التي حملتموها وأصلِحوا ما بينكم يُصلح الله بكم أمتكم ويضع عنكم أمركم ويرفع لكم ذِكرْكم».
خلاصة القول: استعادت مصر عضويتها في منظمة المؤتمر الإسلامي التي سبق تعليقها بموجب مشروع قرار سوري عرضه عبد الحليم خدام على مؤتمر وزراء خارجية المنظمة الإسلامية (9 مايو/ أيار 1973) ومن دون إلغائها معاهدة «كامب ديفيد» عِلْماً بأن الفقرة الأولى من قرارات التعليق تنص على بقائه «حتى تزول الأسباب التي دعت لذلك». وهكذا فإن تعليق العضوية كان انسجاماً مع قرار القمة العربية الاستثنائية في بغداد 1978. كان مؤلماً لأنه كان بفعل عدة عوامل أولها حملة تعبئة سورية – ليبية – عراقية ضد الفعل الساداتي، واتخاذه خطوة لا تخص رئيس دولة عضو لوحده وإنما هي قضية الأمة، وثانيها أن الرئيس السادات لم يأخذ بالقول الكريم «وأمرهم شورى بينهم» و«شاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكَّل على الله إن الله يحب المتوكِّلين». كما لم يتأمل في كلام مأثور الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما تشاوَرَ قوم إلاّ هداهم الله لأرشد أمورهم» وفي إحدى حِكَم الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، «الاستشارة عين الهدية وقد خاطرَ مَن استبد برأيه».
وبعد استعادة مصر مكانها ومكانتها في الجمع الإسلامي نستكمل كيف تمت استعادتها إلى الجمع العربي. وفي الحالتيْن كانت الاستعادة على أساس أن للضرورة أحكاماً وخطوات تتجاوز ما هو مؤلم بدايةً وأشد إيلاماً نهاية. هل كما مصر كذلك سوريا؟ إنها قرارات الضرورة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة