النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي يسهم في اكتئاب المراهقين، حسب دراسة لمعهد دراسات الطب النفسي التابع لكلية الطب في جامعة لندن.
12 في المائة من المراهقين الذين يقضون 3 ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي يصابون بالاكتئاب، وترتفع النسبة إلى 38 في المائة بين الشرائح نفسها إذا تجاوز متوسط النشاط على وسائل التواصل 5 ساعات.
من الملاحظات على البحث الذي نشر في مجلة الصحة النفسية يوم الخميس معاناة النسبة نفسها من الأرق وعدم الاسترخاء للتوصل إلى نوم عميق أثناء الليل ونقص التدريبات البدنية والرياضة مقارنة بشباب أقل استخداماً لهذه الوسائل.
ورغم أن الدراسة لم تربط مباشرة بين الظواهر الثلاث في حياة الذين بدت عليهم أعراض الاكتئاب المرضي، فإن الارتباط الظرفي واضح. فالنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي يتطلب «البحلقة» في شاشات إلكترونية، سواء على الكومبيوتر أو الأجهزة المتنقلة كـ«التابليت» و«الآيباد» والتليفون الجوال، وكلها ترسل ومضات ضوئية أكثر مما تتعرض له العين البشرية من الضوء الطبيعي يومياً.
الومضات الضوئية المكثفة، خصوصاً بعد الظهر والمساء، تصل إلى عدة أضعاف الإشارات الضوئية العادية التي تصل إلى المخ الإنساني. المخ البشري مبرمج بيولوجياً على بدء إفراز هرمون الميلاتونين قرب المساء عندما تقل الإشارات الضوئية ويزداد إفراز الهرمون عند حلول الظلام.
الميلاتونين أساسي للاسترخاء والخلود للنوم لأنه يخفف من نشاط الأعضاء أو الميتابوليزم. وهو الهرمون نفسه الذي تفرزه حيوانات كالدببة والسلاحف وغيرها في الخريف قبل البيات الشتوي. وبالطبع عندما يحرم الجهاز العصبي للمراهقين من هرمون الميلاتونين فإنهم يصابون بالأرق والنوم المتقطع.
أما نقص التدريبات والنشاط البدني والرياضي فأمر بديهي أيضاً، لأن الصغار يقضون وقت ما بعد المدرسة جلوساً منكبين على الأجهزة الإلكترونية وعالم الصداقة والمسامرة الافتراضي (التواصل الاجتماعي)، بينما كان الجيل القديم يلعب في الشوارع والحدائق ويتسلق الأشجار.
الدراسة أيضاً وجدت أن نسبة الاكتئاب المرتبطة بالنشاط على وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من 3 ساعات يومياً بين المراهقات (متوسط العمر 14 عاماً) تبلغ ضعف النسبة بين الأولاد.
فربع الأولاد الذين درس باحثو كلية الطب حالاتهم كان متوسط استخدامهم لهذه الوسائل 3 ساعات يومياً، بينما كانت النسبة نفسها 14 في المائة بين البنات. لكن كانت نسبة الإصابة بالاكتئاب معكوسة، إذ بلغت المعاناة بين البنات (10 في المائة) ضعفها بين الأولاد، إذ كانت 4 في المائة فقط.
الدراسة التي استغرقت عامين على 11 ألفاً من المراهقين والمراهقات وجدت أن 40 في المائة من البنات و25 في المائة من الأولاد يعانون من الأرق وقلة النوم. وارتبط بذلك الشكوى من المضايقات، وما يعتبرونه تهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي أدت إلى الاكتئاب.
وقال 40 في المائة من البنات إنهن تعرضن لمضايقات وتهديدات مقارنة بـ28 في المائة بين الأولاد من العينة نفسها.
الدراسة طويلة ومملوءة بالأرقام، لكن ما يهمنا هنا الأفكار المستخلصة من نتائجها، وهي الاضطراب الذهني الذي سببته وسائل التواصل الاجتماعي بين المستخدمين.
ومن الغفلة بالطبع اعتبار الإنترنت والوسائل نفسها مسؤولة عن تدهور الصحة النفسية، بل طريقة استخدامها وتدهور مستوى التعليم والرعاية الذهنية والنفسية في المؤسسات الاجتماعية، كالمدارس والأسرة مثلاً، هي العناصر المتسببة بالتعامل المؤدي للاكتئاب. فالسيارة مثلاً وسيلة نقل ممتازة، لكن قيادتها دون تدريب مسبق يجعلها مصدر خطورة للمارة.
«الإنترنت» عند تعميمها قبل ربع قرن بدت وسيلة لدعم الديمقراطية الشعبية، وأنهت احتكار الأنظمة الأوتوقراطية لسبل نشر المعرفة بين الناس، وأيضاً أنهت احتكار الوسائل الصحافية الفاسدة لتشكيل الرأي العام للناس. كما أنها أعطت الفرصة للمواطن البسيط للتواصل مع المئات، والآلاف، فالملايين، لتبادل وجهات النظر والمناقشة دون المرور على فلتر تتحكم فيه وتوجهه قوى سياسية، أي وفرت للناس حرية غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية لتبادل الآراء والمعارف وتوسيع الأفق.
ورغم أن الدراسة الطبية أجريت في المملكة المتحدة، فإن التأثير السلبي كظاهرة اجتماعية نفسية لا يقتصر على بريطانيا، بل هي ظاهرة عالمية تتجاوز الثقافات واللغات والحدود.
وسائل التواصل الاجتماعي عند ظهورها قبل عقد كانت وسيلة جديدة ومساعدة خاصة لنا جيل الصحافيين القدامى من عصر الآلة الكاتبة والتليكس وإرسال الخبر بالاختزال عبر برقية من مكتب البريد أو إملاء الخبر من كشك التليفون العمومي. «تويتر» كان مثل وكالة أنباء ترسل العناوين لتسبق الخبر، و«فيسبوك» و«إنستغرام» وغيرهما حلت محل المخبر الذي يتابع المشاهير… ولم تمضِ أعوام لا تعد على أصابع اليد الواحدة حتى أصبحت الوسائل مصدراً للاكتئاب والمتاعب النفسية بين الشباب.
باستثناء دراسات طبية، لا توجد معلومات كافية باليقين حول التأثير الحقيقي الذي يختلف حسب الأعمار المختلفة، لكن هناك عوامل مشتركة لعل أهمها الإحساس بالتعرض للعدوان أو المضايقات التي أشارت الدراسة الأخيرة إلى أن أهم أسباب الاكتئاب تلقي إهانات، وتبلغ النسبة بين الفتيات ضعفها بين الأولاد.
المؤسسات التي تعد إحصائيات دقيقة مفصلة لها أهداف تختلف عن غاية كلية طب لندن، أهداف تنحصر في قياس مزاج كل مستخدم وتوجيه إعلانات سلع وخدمات بغرض الربحية التجارية، وبالتالي لا يمكن الاعتداد بها لمعرفة التأثير الحقيقي في الصحة النفسية للمشاركين وما يترتب عليها من آثار في المجتمع.
لكن الملاحظ أن النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي ينقسمون إلى قبائل فكرية وكل مجموعة تتمسك بمعتقداتها. الملاحظ أيضاً الانغلاقية في هذه الوسائل عند طرح أي قضية للمناقشة، وتجد أن طارح القضية ومجموعة أصدقائه يعيشون في قاعة من صدى الصوت، أي يسمعون فقط الإجابة التي يريدونها ويتجاهلون المخالف لها.
في تجربة بسيطة أجريتها على «فيسبوك» للنشطاء في بريطانيا، وأيضاً في البلدان العربية، بوضع روابط لتقارير يتراوح تاريخ نشرها بين 5 و10 سنوات، اتضح أن أكثر من ثلثي المعلقين، سواء المتفقون معها أو المعترضون عليها (واتخذت بعض الاعتراضات في البلدان العربية طابعاً دينياً آيديولوجياً) لم ينتبهوا إلى التواريخ، ما أثار انتباههم العنوان أو المقدمة التي كتبتها من بضعة أسطر. باختصار لم يقرأوا تفاصيل الموضوع الذي أثار النقاش.
أي أن النشطاء لم يدخلوا ساحة المناقشة والجدل من أجل المعرفة واكتشاف الجديد، بل يبحثون عما يدعم رؤيتهم للعالم ليؤكدوا لأنفسهم أن «الآخر» المخالف لرؤيتهم شيطان رجيم مصيره جهنم.
ولذا «فانتصار» رؤية الشيطان صدمة للشباب قليل الخبرة، صدمة صورة مخالفة للعالم عما اعتقدوا أنه جنة الأحلام، ما يثير أزمات نفسية، ومحاولة قضاء وقت أطول على هذه الوسائل بأمل إصلاح الصورة يؤدي بدوره إلى مزيد من الاكتئاب.
TT
الاكتئاب الافتراضي
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
