هذا هو المقال الأول في العام الجديد 2019. وكالعادة في مطلع كل عام يبدأ الجميع بالتحليل ورسم السيناريوهات المختلفة لأسعار النفط ولأساسيات العرض والطلب في السوق.
وفي كل عام نتحدث عن المخاوف والمخاطر، والتي يبدو أنها زادت في آخر أشهر 2018. والذي للأسف بدأ بداية تصحيحية قوية أدت - إلى جانب بعض العوامل النفسية - لارتفاع نفط برنت إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عند 85 دولارا، ثم عاد العام ليسجل أسوأ مستوى للتذبذبات حيث فقدت الأسعار 30 دولاراً في شهرين فقط.
قياساً على ما حدث، هل سنشهد في 2019 تذبذبات قوية أخرى أم ستستقر الأسعار بعد إعلان تحالف منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفائها العشرة تخفيض إنتاجهم بواقع 1.2 مليون برميل يومياً بدءاً من أول يوم من أيام عام 2019؟
حان الوقت لنضع الكرة البلورية السحرية جانبا ونفكر بمنطقية، ماذا قد يحدث للسوق النفطية وما هي المخاطر التي تهددها؟
في الحقيقة الأساسيات ليست سيئة كما يظن الكثير من المضاربين والتجار والمحللين. فقبل عامين فقط بدأنا بتخمة في مخزونات الدول الصناعية أعضاء منظمة التعاون والتنمية (OECD) قدرها 360 مليون برميل تقريباً فوق متوسط الخمس سنوات. أما هذا العام فسوف نبدأ بتخمة قد لا تتجاوز عشرة في المائة من هذا الرقم، وهذه تخمة بالإمكان تخفيضها في وقت قياسي إذا ما التزم أعضاء تحالف «أوبك+» بالاتفاق بحذافيره.
والطلب على النفط سيظل ينمو بشكل معقول هذا العام خاصة في الأشهر الستة الأولى نظراً لأن أسعار النفط في مستويات متدنية مقارنة بفترات كثيرة من العام الماضي.
ولهذه الأسباب لا تقلقني المخاطر المتعلقة بالأساسيات، لأنها تحت التحكم حتى الآن؛ ما عدا في جانب واحد وهو جانب انخفاض إنتاج «أوبك+» أكثر من اللازم بسبب تعثر دول مثل إيران وفنزويلا وليبيا ونيجيريا عن التصدير أو الإنتاج.
إن ما يقلقني هو المخاطر القادمة من الولايات المتحدة وخصوصاً السياسية والتي تتمثل في تحرك مجلس الشيوخ الأميركي لفرض قانون «نوبك»، والذي سيعطي أميركا (في حال الموافقة عليه) الحق في الملاحقة القانونية للدول المنتجة للنفط التي لديها ممارسات احتكارية أو تتحكم في الأسعار.
وما جعلني أقلق بشدة حول هذا القانون هو إعلان وزير الطاقة الروسي ألكساندر نوفاك في آخر أيام السنة الماضية أنه لا يرى إمكانية عقد اتفاق طويل الأجل بين روسيا وأوبك نظراً لوجود عوائق بيروقراطية ووجود مخاطر متعلقة بسن قانون «نوبك» وتطبيقه على أوبك.
هذا الإعلان مؤشر غير جيد وإن كان كبار المسؤولين في أوبك لا يفاجئهم هذا التصريح لأن الموقف الروسي لم يكن واضحاً حيال عقد اتفاق طويل الأجل منذ فترة رغم كل التصريحات الإيجابية الداعمة لهذا التوجه الصادرة من موسكو.
ولا نزال لا نعلم ماذا يدور في ذهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وماذا يخبئ لأوبك. فمن جهة قد يزيد العقوبات النفطية على إيران ويتسبب في تقليص إنتاجها بشكل كبير، ومن جهة أخرى قد يؤيد سن قانون «نوبك» والذي سبق أن أوقفه سلفه جورج بوش الابن في عام 2007 عندما حاول أعضاء مجلس الشيوخ فرضه.
في كل الأحوال سيظل ترمب يزيد من المخاوف في السوق والتي أصبحت تتفاعل مع تغريداته حول أسعار النفط وأوبك أكثر من تفاعلها مع تصريحات وزراء نفط أوبك. ففي مثل هذه الأوقات الحرجة يبحث الجميع عن علامات تبين لهم اتجاهات وملامح السياسات العامة.
الغريب أن بعض المصارف الكبرى مثل «جي بي مورغان» لم تعد ترى مخاوف ومخاطر من زيادة النفط الأميركي. وصرح ديفيد لوبفيتز، نائب الرئيس في المصرف لاستراتيجيات الأسواق الدولية، لوكالة بلومبيرغ مؤخراً، بأن منتجي النفط الصخري الأميركيين أصبحوا أكثر مسؤولية في إنتاجهم؛ حيث لم يعد التوسع في الإنتاج وإغراق السوق بالنفط نهجهم وأصبحوا يبحثون عن عوائد مالية أفضل وانضباط مالي.
وكان «جي بي مورغان» قد غير توقعاته في أواخر عام 2018، متوقعاً أن تصل أسعار نفط برنت في 2019 في المتوسط إلى 73 دولارا للبرميل، بدلاً من التقدير السابق عند 83.5 دولار، بسبب الزيادات المتوقعة في الإنتاج من خارج أوبك والمخاوف من انخفاض الطلب على النفط.
لكن لا أحد يستطيع الإنكار أن الإنتاج الأميركي زاد بشكل كبير في الأشهر القليلة الماضية، حيث وصل إلى معدل 11.5 مليون برميل يومياً في أكتوبر، وهذا معدل كبير جداً ومن المتوقع أن يصل إلى 10.9 مليون برميل يومياً في المتوسط في 2018 بزيادة 16 في المائة عن 2017. ومن المتوقع أن يزيد إلى 12.1 مليون برميل يومياً في 2019 مع وجود 8500 بئر تم حفرها ولم يتم توصيلها وإكمالها... وجزء كبير من هذه الآبار ينتظر اكتمال بعض أنابيب نقل النفط في أميركا في حوض البيرميان في تكساس.
وخارج الولايات المتحدة حالياً لا توجد مخاطر سوى من فنزويلا، والتي وصل إنتاجها إلى أدنى مستوياته في عقود الشهر الماضي عند مستوى بين 1.2 و1.3 مليون برميل يومياً. وهذه المخاطر وإن كانت سلبية للمستهلكين لأنها قد ترفع السعر، إلا أنها إيجابية للمنتجين الذين من مصلحتهم رؤية أسعار أفضل. وليس المنتجون وحدهم يرون أهمية أسعار نفط أعلى، بل إن وكالة الطاقة الدولية التي تمثل الدول المستهلكة قلقة من تراجع الاستثمارات النفطية إذا ما واصلت أسعار برنت تداولاتها عند 55 دولارا.
إذن ماذا يخبئ عام 2019 لسوق النفط؟ لمعرفة هذا الأمر علينا متابعة الساسة أكثر من متابعة تصريحات المنتجين ووزراء النفط.
8:15 دقيقه
TT
ماذا يخبئ 2019 لسوق النفط؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
