ديفيد فيكلينغ
TT

الحرب التجارية أوسع نطاقاً من محاولات الإصلاح

عند محاولة التنبؤ بما ستؤول إليه مجريات الأمور في مستقبل التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين يمكن استشراف واقع جديد يحوم حول حالة من حالات التسوية المنشودة، بيد أن ذلك القدر من التفاؤل لم يحن أوانه بعد حتى الآن رغم كل شيء.
من المرجح للصين أن تؤجل لمدة عشر سنوات بعضا من أهدافها التقنية ضمن برنامج «صنع في الصين» الوطني لعام 2025، بغية الانتقال الصناعي إلى مستوى الصناعات فائقة التقنية بحسب ما أفادت بعض الشخصيات المطلعة على الأمر لدى وكالة بلومبرغ الإخبارية هذا الأسبوع.
وجاءت الأنباء بالتوازي مع تقرير صادر عن وكالة رويترز الإخبارية يفيد بأن مؤسسة النفط الوطنية الصينية، وهي الشركة الأم لشركة بتروتشاينا ليمتد، قد علقت الاستثمارات الجارية في مشروع حقل بارس النفطي الجنوبي الإيراني في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران. ثم قررت الحكومة الصينية، تعزيزا لقرارها المذكور، طلب شراء مليوني طن متري من فول الصويا الأميركي، لتنهي بكين بذلك الحظر غير الرسمي المفروض على المحصول الأميركي والذي كان مستمرا طيلة عام بأكمله.
تبدو الأمور إيجابية للغاية حتى الآن، ولكن لا بد من موازنة المجريات في ضوء حقيقة مفادها أن النفط الإيراني، والبرنامج الوطني الصيني، وفول الصويا الأميركي، ليست سوى مناورات تكتيكية ضمن حالة واسعة النطاق من الصراع التجاري الراهن. وبالمعنى العسكري، فإن بعض التحركات قربا أو بعدا من الخطوط الأمامية لا تعني أبدا أن تغيرا جوهريا قد طرأ على غايات الحرب الأساسية.
واستيضاحا للموقف، دعونا نتصور إبرام اتفاق ما بين الجانبين يتجاوز التوقعات المنشودة لدى الجميع. بمعنى أن أهداف استبدال الواردات المثيرة للجدل ضمن برنامج «صنع في الصين» الوطني لعام 2025 - والتي تحدد المستويات المخطط لها لحصص الأسواق لدى الشركات المحلية في الصناعات الوطنية الرئيسية - لم تؤخر لأجل غير مسمى وإنما قد ألغيت بالكامل. الأمر الذي يعني انكماش نطاق البرنامج الوطني الصيني إلى شيء أشبه ببرامج الصناعات الحكومية الفرنسية فائقة التقنية، مثل خطة «صناعات المستقبل» الفرنسية التي تبلغ قيمتها 10 بلايين يورو (11.4 مليار دولار)، أو برنامج الاستثمارات المستقبلية الفرنسي بقيمة تبلغ 57 مليار يورو، أو المخطط الصناعي الألماني 4.0 الذي يعتمد البرنامج الفرنسي عليه بالأساس.
وفي الأثناء ذاتها، يجري إلغاء متطلبات نقل التكنولوجيا على طول الخطوط التي أشرنا إليها، بالإضافة إلى لائحة عقوبات شركات الملكية الفكرية التي أعلن عنها الأسبوع الماضي والتي تسد ثغرات الإنفاذ القانوني في هذا المجال بكل نجاح. إذ تُسقط كل دولة من الدول المعنية الرسوم العقابية لقاء الدول الأخرى، ثم تتحول الصين إلى استيراد كميات متزايدة من المواد الغذائية وغيرها من المنتجات الاستهلاكية الأميركية.
فهل من شأن ذلك أن يكون كافياً لإنهاء حالة الصراع القائمة بين الجانبين؟
يرجع التساؤل في شكله النهائي إلى حالة الحرب الراهنة بين الطرفين الكبيرين. فهي حرب محدودة النطاق تتعلق بتسوية المشكلات الصغيرة بشأن العلاقات التجارية الدولية الصينية، ومن شأن فترة المفاوضات الجارية حتى تاريخ الأول من مارس (آذار) أن ترجع بنتائج إيجابية. وإزالة مثيرات التوتر إزاء الاستثمارات في إيران بجانب مشتريات فول الصويا الهائلة (والتي في الحالة الأخرى سوف تظل خاضعة للرسوم الجمركية بنسبة 25 في المائة) تبدو من الوسائل المعقولة لإفساح الطريق أمام إبرام صفقة جيدة قابلة للتطبيق والنجاح.
ومن شأن طرح المزيد من الحالات عبر القنوات المعتادة في منظمة التجارة العالمية أن يساهم بدوره أيضا، رغم السخرية اللاذعة التي نالت هذا المسار حتى الآن: وكما جاء في أحد التحليلات الصادرة عن معهد كاتو الأميركي الشهر الماضي: «الامتثال الصيني لقواعد منظمة التجارة العالمية من الأمور الجيدة للغاية، ولكن من دون ذكر أمثلة واضحة على تجاهل بكين لتلك القواعد، كما حدث مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».
ومن الواضح أنها ليست المعركة التي كان يخوضها الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر، برغم كل شيء. ما نحتاج إليه عوضا عن ذلك هو «إحداث تغييرات جوهرية في النظام التجاري والاستثماري الصيني، بما في ذلك السياسات الصناعية العامة التي تستمر في الهيمنة على الاقتصاد الصيني الخاضع بكامل أركانه لسيطرة الدولة»، بحسب ما ورد في تقرير السيد لايتهايزر المرفوع إلى الكونغرس في يناير (كانون الثاني) بشأن الامتثال الصيني لقواعد منظمة التجارة العالمية.
من الصعب تلمس إمكانية وجود مساحة كافية تسمح بالوصول لمثل هذا الاتفاق على هذا الصعيد. وكما قلنا قبل ذلك، هناك شغف صيني راسخ بتشجيع الأبطال الوطنيين الممولين داخليا والعاملين على تعزيز الاقتصاد الوطني للبلاد، ولكنه لا يشكل إهانة جوهرية لنظام تجاري عالمي لا يعبأ بأن تتلقى الأعمال التجارية الإعانات المالية ما لم تكن تتلقاها بالفعل.
وفي الوقت نفسه، فإن سياستها الصناعية تعتبر إحدى قصص النجاح الباهرة في حقبة ما بعد الحرب وهي من الأسس الركينة لشرعية الحكومة هناك. ومن المثير للإحباط أن الاندماج الصيني ضمن نظام الاقتصاد العالمي لم يُفلح في إعلاء قيمة الليبرالية لدى الحكومة الصينية، الأمر الذي عصف بآمال الكثيرين حال انضمام بكين إلى عضوية منظمة التجارية العالمية. بيد أن محاولات الحد من اندفاع الاقتصاد الصيني عبر مطرقة الرسوم الجمركية والحصار التجاري من غير المرجح أن تعكس هذا المسار أو تنجح في تحسين مستوى معيشة الشعب الصيني. بل على العكس من ذلك تماما.
ينبغي على المفاوضين التجاريين الأميركيين والصينيين اتخاذ القرار بشأن نوع الانتصار الذي يرغبون في إحرازه خلال الشهور المقبلة. فإن كان الأمر يتعلق بكبح جماح الصعود الصيني على الصعيد الاستراتيجي، فلن يكون هناك مسوغ مقبول للتسوية الشاملة قط. وربما ينتهي الأمر بعقد صفقات محدودة النطاق على غرار ما حدث مع المكسيك وكندا وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»