اللغة الصينية تفتح مغاليق السياسة والاقتصاد

اللغة الصينية تفتح مغاليق السياسة والاقتصاد

الاثنين - 8 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 17 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [14629]
داود الفرحان
كاتب عراقي
لا تطالع أي مجلة سياسية أو اقتصادية، أو جريدة يومية في أي عاصمة، إلا وتجد فيها خبراً أو مقالاً أو صورة عن الاقتصاد الصيني. الحالة نفسها في نشرات أخبار الفضائيات وفيديوهات شبكات التواصل الاجتماعي العالمية.
ليست مفاجأة أن الصين تكتسح العالم في تصدير السياح الصينيين بنفقات تصل إلى نحو 300 مليار دولار سنوياً. فهي لم تعد صين الزعيم المؤسس ماو تسي تونغ والبدلة السفاري بنية اللون و«الكتاب الأحمر». وإذا كنت لا تعلم، فأنا مثلك لم أكن أعلم أن مواطني الصين الشعبية ينفقون على السياحة والسفر إلى خارج بلادهم سنوياً ما يعادل إنفاق مواطني 26 دولة، بينها دول عربية منها الكويت ولبنان ومصر، وثماني دول آسيوية هي الفلبين وماليزيا وإيران وتايلاند وإندونيسيا وتركيا والكيان الصهيوني، وتسع دول أوروبية هي النمسا والدنمارك وبولندا وآيرلندا والتشيك وفنلندا وأوكرانيا والبرتغال ولوكسمبورغ. وأضف إليها المكسيك والأرجنتين ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا ونيجيريا وكولومبيا. وكنت أحسب أن كل الآسيويين الذين أصادفهم في شوارع القاهرة والجيزة ومقاهي خان الخليلي والبواخر السياحية وأحياء الموسكي والحسين والعتبة وآثار الأهرام وشواطئ الإسكندرية يابانيون، فإذا بهم صينيون أباً عن جد! ومعروف عن السائح الصيني من الطبقة المتوسطة أنه ينفق في البلدان التي يزورها بقدر ما يبيع من بضاعة خفيفة يحملها معه مثل الهواتف المحمولة والنشرات الضوئية والملابس والمجوهرات والساعات المقلدة والعطور المزيفة وفوانيس رمضان، وهو مستعد أن يبيعك بنطلون الجينز الذي يرتديه إذا راق لك!
وتعتبر ألمانيا قبلة أنظار وفلوس الصينيين الذين ينفقون ببذخ على شراء الحلي والساعات والإكسسوارات الجلدية والأدوات المنزلية، وفقاً لتقرير هيئة السياحة الألمانية. ويَعتبر الصينيون رحلاتهم إلى أوروبا رمزاً «للوجاهة الاجتماعية»، ويركزون على التسوق في ختام رحلاتهم السياحية، وليس خلالها، لعدم تحمل مشقة حمل الكثير من الحقائب والسلع والتنقل بها من مدينة إلى أخرى. لذلك يقصدون في ختام برامجهم الأسواق الحرة في مطار فرانكفورت بكثافة إلى درجة أن هذه الأسواق بدأت، مثل المتاجر الألمانية الأخرى، تعلق لافتات تقول «نحن نتحدث الصينية» مثلما نرى أسواقاً ومتاجر في لندن تعلن منذ عقود: «نحن نتحدث العربية» لتسهيل عمليات الشراء. ويتجمع السياح الصينيون بشكل ملحوظ أمام «فاترينات» وثلاجات الأطباق الشهية في مطاعم فرانكفورت غير المألوفة في بلدهم، ثم يمدون أياديهم إلى حقائب الظهر ويخرجون منها «سندويتشات» اشتروها من مطاعم صينية في شوارع المدينة!
وفي السينما، ظل الممثلون الصينيون في أفلام هوليوود يؤدون أدوار الشر طوال عقود، وكلهم من المهاجرين الصينيين إلى الولايات المتحدة، بمن فيهم نجم أفلام «الأكشن» جاكي شان الذي رَكَبَ شخصية الصيني الشرس الضاحك. وعلى الرغم من أن أول فيلم صيني، كما يُقال، أُنتج في عام 1905، فإن هذه السينما لم تفلح حتى الآن في غزو دور السينما العالمية إلا من خلال المهرجانات أو بروتوكولات التعاون الفني والثقافي مع الدول التي تقيم علاقات ودية مع جمهورية الصين الشعبية.
حين سيطر الشيوعيون العراقيون على السلطة في بغداد في ظل حكم اللواء عبد الكريم قاسم بعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، شهدْنا عشرات الأفلام الصينية التي عرضتها دور سينمائية متواضعة استأجرتها سفارة الصين في العاصمة العراقية، إلا أنها لم تستطع أن تصمد طويلاً ليس فقط أمام أفلام «الكاوبوي» الأميركي ونجوم السينما الكلاسيكية في سنوات هوليوود الذهبية، وإنما أمام الأفلام المصرية أيضاً. كانت قصص الأفلام الصينية ساذجة وقروية وتدور في إطار الأساطير والموروثات الشعبية والحروب القبلية، بسبب السيطرة الحكومية والحزبية على المزاج العام للشعب الصيني وعدم السماح بما كان يسمى «الغزو الدعائي الاستعماري»، في الإشارة إلى الأفلام الغربية عموماً، خصوصاً الأميركية. الطريف أن دور السينما العراقية كانت تعرض ثلاثة أفلام صينية بتذكرة واحدة، الأمر الذي كان يشجع الجمهور على مشاهدتها أو النوم استمتاعاً بالهواء المكيف في الصيف اللاهب.
وحتى اليوم، ومع كل الانفتاح الصيني الحالي على العالم بقيادة الرئيس شي جينبينغ، فإن الرقابة الصينية تمنع أفلام الخيال العلمي ورحلات الزمن والقصص الغريبة التي قد تؤثر على نمط الحياة في هذا البلد الموغل في عمق التاريخ. وبدلاً من أن تغزو السينما الأميركية بلد التنين والسور العظيم، حمل صينيون أثرياء ملياراتهم وسافروا إلى هوليوود لشراء أكبر استوديوهاتها ثم تصدير إنتاجها إلى سوق الصين المنفتح على عصر الازدهار الاقتصادي. ودخلت الاستثمارات الصينية بقوة في رؤوس أموال استوديوهات عريقة مثل «بارامونت» و«يونيفرسال». واشترت مجموعة «واندا» الصينية استوديوهات «ليجندري» مقابل ثلاثة مليارات ونصف مليار دولار. وهذه الاستوديوهات أنتجت أفلاماً كاسحة مثل «باتمان» و«غودزيلا» و«جوراسيك وورلد». ولم يكتف الأثرياء الصينيون بذلك، فاشتروا معها سلسلة قاعات عرض أميركية بمليارين ونصف مليار دولار لتسويق أفلامهم بأنفسهم. ومعنى هذا التغلغل الصيني في المقابل أن صادرات هوليوود السينمائية في طريقها إلى دور العرض الصينية التي شهدت في العامين الأخيرين إنشاء أكثر من ثمانية آلاف دار سينما. حتى الآن فإن السلطات الصينية لا تسمح بعرض أكثر من 34 فيلماً أجنبياً في السنة الواحدة، ويُشترط في هذه الأفلام أن تكون متفاعلة مع الأساطير والمواقع والمدن والشخصيات الصينية. وكانت هوليوود أنتجت فيلماً مشتركاً مع الصين في عام 2012 هو «زهور الحرب» حول متعهد دفن موتى شهد مذبحة مدينة «نانجينج» الصينية.
وبعيداً عن السياحة والسينما، كان البنتاغون الأميركي قد أعلن قبل خمس سنوات عن قيام قراصنة إلكترونيين صينيين في غمضة عين، بسرقة تصميمات عشرة نظم أسلحة أميركية متطورة، وهي المرة الثانية التي يقتحم فيها القراصنة الصينيون حواجز الأجهزة السرية الأميركية خلال شهر واحد. وشملت «المسروقات» نظم أسلحة وطائرات وسفن قتالية ونظم دفاع صاروخية حيوية لأوروبا وآسيا والخليج العربي. وفي التفاصيل نقرأ أن اللصوص وجدوا ضالتهم في تصاميم نظام الدفاع الصاروخي المتقدم «باتريوت» ونظم الدفاع الصاروخية متعددة المراحل طراز «إيجيس» التابعة للبحرية، وطائرات مقاتلة «فانتوم 18» و«في 12 أوسبري» و«فانتوم 35» المتطورة جداً وطائرات هليكوبتر «بلاك هوك».
وفي حينها حذرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية من أن التجسس باستخدام الكومبيوتر سيمنح الصين معرفة استثنائية يمكن استغلالها في أي صراع مثل تعطيل الاتصالات وتخريب المعلومات، بالإضافة إلى تزويد الصين بقدرات تعزز التكنولوجيا العسكرية لديها. وسارع البنتاغون للإعراب عن مخاوفه من تداعيات القرصنة الإلكترونية التي تبطش بالملكية الفكرية وتُفشي الأسرار التجارية، بما يهدد المنافسة العسكرية والتجارية الأميركية. ولم تمض ساعات على ما حدث في الولايات المتحدة حتى أقامت أستراليا مجلس عزاء، لأن قراصنة صينيين استولوا على تصميمات المقر الجديد لوكالة المخابرات الأسترالية. ولم يكتف هؤلاء القراصنة بذلك، فسرقوا معلومات سرية من وزارة الشؤون الخارجية والتجارة وجهاز المخابرات السرية الأسترالية الذي يتولى شؤون التجسس في الخارج.
والصين هي أكبر الدول في مجموعة «بريكس» الاقتصادية للدول سريعة التطور، التي تضم البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا، وتسعى إلى الانضمام إليها مصر والمكسيك وطاجكستان وتايلاند، لتحقيق شراكة استراتيجية شاملة في المجال الاستثماري.
اليوم تقود روسيا والصين جهوداً دولية لمواجهة الإجراءات الأميركية الأحادية التي تهدد اقتصاد دول المجموعة بشكل خاص، كالجمارك وإعادة النظر في موازين التبادل التجاري. وبدأت بكين تستعرض عضلاتها الاقتصادية والاستثمارية بعد أن طوت صفحة العضلات الصاروخية والنووية. وآخر «حُسن نية» أبدتها في علاقاتها الدولية قيامها مؤخراً بتعليق رسوم إضافية على السيارات الأميركية ومكوناتها المصنعة في الولايات المتحدة لمدة ثلاثة أشهر رداً على الحمائية التجارية الأميركية.
الصين صارت تتحدث بكل اللغات منذ بدء انفتاح بكين على العالم الخارجي قبل 40 عاماً، على الرغم من أن العالم ما زال يتندر على شعار «صنع في الصين».

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة