كاريكاتير «التلغراف»، صحيفة المحافظين، صور رئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي في زي المطربة أليكسيس فان - مينيان التي لعبت دور الزعيمة السياسة الأرجنتينية إيفا بيرون (1919 - 1952) الزوجة الثانية للزعيم الشعبي وديكتاتور الأرجنتين، خوان بيرون (1895 - 1974) في مسرحية «إيفيتا» الاستعراضية.
الفقاعة الكلامية فوق صورة المطربة تيريزا غيرت كلمتين فقط من الأغنية الشهيرة «لا تبكي من أجلي يا أرجنتين... أنا لم أغادرك أبداً».
السخرية قاسية «لا تبكِ من أجلي جون كلود يونكر، فأنا لم أغادر الاتحاد الأوروبي أبداً».
صحيفة معبرة عن أفكار الحزب تتهم زعيمته بالنفاق.
كانت ماي متحمسة للبقاء أثناء حملة الاستفتاء في ربيع 2016، وبعد توليها الحكومة كررت الوعد بضرورة تنفيذ إرادة الأغلبية وآخرها أمام مجلس العموم الأربعاء الماضي.
في اليوم نفسه في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، وجه رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، كلامه لنواب مجلس العموم، محذراً إياهم من أن عدم التصويت لصالح وثيقة تيريزا ماي يعني «لا بريكست».
لأول مرة يتجرأ موظف أجنبي بتحذير لنواب أم البرلمانات، خصوصاً أن توسك بيروقراطي غير منتخب (حالة لا تلقى احترام المواطن البريطاني)، متناقص الشعبية في بلده بولندا، وعارض برلمانها تعيينه في المنصب.
بعدها بساعات سألت مراسلة «بي بي سي»، ماي، عن احتمال إجراء استفتاء جديد في حال رفض البرلمان اتفاقية الخروج من الاتحاد الأوروبي. وللمرة الأولى لم ترفض رئيسة الوزراء الاقتراح بشكل قاطع وتركت الاحتمال مفتوحاً.
في مساء اليوم نفسه، قدم وزير آخر استقالته. وزير الجامعات والبحوث العلمية سام جيماه، استقال احتجاجاً على «الاتفاق الذي ترك البلد في موقف يخضع فيه لأوامر الاتحاد الأوروبي وتعليماته، خصوصاً فيما يتعلق باتفاقية برنامج القمر الصناعي غاليليو الذي استثمرت فيه بريطانيا الملايين على مدى السنوات وقرر الاتحاد الأوروبي حجب المعلومات التي يجمعها غاليليو عن بريطانيا، خصوصاً في مجال الدفاع».
رأى جيماه أن البلاد كان يجب أن تفاوض من موقف قوي.
أكبر الاحتمالات أن مجلس العموم سيرفض بأغلبية كبيرة اتفاق ماي مع بروكسل، خصوصاً أن ثلث نواب الحكومة (105 من إجمالي 315 من حزب المحافظين) قالوا علناً إنهم سيصوتون ضد الاتفاق يوم 11 ديسمبر (كانون الأول).
مفاوضات «بريكست» أوصلت سياسة أعرق الديمقراطيات إلى بركة آسنة والطبقة السياسية فشلت في معالجة الأسباب الأساسية لتصويت 52 في المائة من الناخبين (17 مليوناً و400 ألف) في استفتاء الاتحاد الأوروبي بالخروج، وهو يتجاوز الأسباب الاقتصادية التي تركز عليها المؤسسة السياسية من حكومة ومعارضة وجهاز بيروقراطي وصحافة.
الطبقة السياسية، بدلاً من البحث عن سبل إصلاح الأخطاء ومواجهة عدم التوازن والظلم الذي يشعر به أغلبية المواطنين الذين صوتوا بالخروج، توجه طاقتها نحو ترويع الشعب بسيناريوهات خيالية عن ارتفاع أسعار السلع وانهيار أثمان العقارات والبطالة في حالة رفض الاتفاقية، وهي العناوين الكبرى، بينما القراءة الدقيقة تبين أنها تكهنات 15 عاماً من جانب الخزانة وبنك إنجلترا، وقد عرف عنهما عدم الدقة في التنبؤ إزاء السوق لستة أشهر ناهيك بـ15 عاماً.
ورغم أن «التجارة» من الممارسات البشرية التي سبقت ظهور الدول، فإن الطبقة السياسية تصر على اتفاقيات دولية.
مثلاً النائب المحافظ لدائرة شيروزبري الزراعية اصطحب وفداً من مزارعي الدائرة إلى سانت بطرسبرغ، فوقعوا عقوداً ثنائية مع نظرائهم الروس قيمتها 22 مليون جنيه في وقت فيه السياسة الرسمية للدولة هي فرض العقوبات على روسيا.
ورغم ذلك تركز الطبقة السياسية على سلاح غياب «اتفاقيات» التجارة في حال الخروج التام من الاتحاد الأوروبي لإقناع الشعب بعكس خياره.
وبخلاف ما تصوره «المؤسسة» التي يسيطر عليها المزاج النيو - ليبرالي (الليبرالية الجديدة التي تضم اليسارية الاشتراكية والتي رأينا معها تدخلات عسكرية لتصديرها وهو حديث آخر) بأن أغلبية المصوتين بالخروج هم من كبار السن «المخرفين» والعنصريين الزينوفوبيين (معاداة الأجانب) والعنصريين، والجهلاء غير الواعين بالحقائق، فإن الواقع أن الانقسام بين البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه يعبر ويتجاوز اللافتات التقليدية وتعريفات التقسيم الطبقي، واليسار واليمين، والأثرياء والفقراء. فالمثقفون والواعون السياسيون صوتوا بالخروج لرفض المفوضية الأوروبية تعديل النظام عن سياسة التحول إلى دولة فيدرالية. وكبار السن خشوا من أن تكون الدولة الفيدرالية على غرار الاتحاد السوفياتي، خصوصاً مع غياب المحاسبة البرلمانية وآليات تغيير المفوضية ورؤساء الاتحاد بالتصويت الشعبي.
دراسة تاريخ تطور السوق الأوروبية المشتركة إلى المجتمع الأوروبي، ثم الاتحاد الأوروبي إبان سيطرة آيديولوجية النيو - ليبرالية عليه بسلبياتها الاقتصادية، والتصحيح السياسي الذي لا يهدد فقط حرية التعبير بل تركيبة الأسرة والقيم التقليدية للمجتمع.
الأغلبية رأت في التكتل نوعاً من «الكارتيل» للوجه القبيح، المستغل لا البناء للرأسمالية، تعطي الاحتكارات الكبرى الضوء الأخضر لاستغلال مبدأ «حرية التنقل» لخفض أجور العمالة المحلية، وعدم الالتزام بمسؤولياتها تجاه العاملين وحاجات المجتمع المحيط.
اكتشف بحث أجرته مؤسسة جوزيف رونتري أن الأغلبية العظمى الموجودة على هامش المجتمع بلا مؤهلات صوتت بالخروج للسبب أعلاه.
البحث نفسه وجد أن نسبة عالية من المستفيدين من العولمة وحرية حركة البضائع والبشر، أيضاً صوتوا بالخروج، والسبب ليس اقتصادياً، بل لأن الاتحاد الأوروبي في نظرهم أصبح مؤسسة مسيطرة معادية للديمقراطية ترفض حق تقرير المصير للأقليات وللشعوب مثلما أظهرت الأزمات مع بولندا، وإيطاليا، والمجر.
في بحث أجرته الدكتورة أرمين ايشكانيان لكلية لندن للاقتصاد (مؤسسة موالية للاتحاد الأوروبي) لخصت الأسباب الأهم للتصويت لـ«بريكست»: الشعور باليأس والإحباط بل والشعور بخيانة الشعب.
واعتبرت ايشكانيان أن تصويت «بريكست» كان تعبيراً عن الغضب من فشل الساسة في تحدي التوازن الراهن غير العادل.
ولذا فإصرار الطبقة السياسية، حكومة ومعارضة، على أن الحصول على صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي سترضي أغلبية الشعب بتحقيق أهداف «بريكست»، ومحاولة التحايل للحصول عليه باستفتاء جديد، وهم خاطئ.
وهم سيبقي هذه الفئات الغاضبة (وهي الأغلبية) مهمشة تعاني من الأسباب والعوامل نفسها التي أدت إلى تصويتهم بـ«بريكست». إنه فقدانهم التحكم في مسار أمور المعاش اليومية في حياتهم. ولذا فاستمرار الطبقة السياسية في العجز عن تغير الأمور لإعادة التوازن في صنع القرار سيزيد من تغريب الشعب عن مراكز صناعة القرار وتعمق الإحساس بنهاية القرن... وقد نرى بالفعل الفوضى في مجتمعات وشوارع بلاد ظلت الأكثر ثباتاً واستقراراً لقرون طويلة.
TT
وهم المؤسسة الحاكمة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
