«مسك العالمي»... الإنسان الهدف والوسيلة

«مسك العالمي»... الإنسان الهدف والوسيلة

السبت - 9 شهر ربيع الأول 1440 هـ - 17 نوفمبر 2018 مـ رقم العدد [14599]
إميل أمين
- كاتب مصري
اختتمت الأيام القليلة الماضية في العاصمة السعودية الرياض، أعمال منتدى «مسك العالمي»، في دورته الثانية، التي حملت شعار «مواجهة تحدي التغيير»، ونظّمته «مؤسسة محمد بن سلمان» (مسك الخيرية)، الساعية لإعادة النظر في بناء الإنسان كحجر زاوية للأوطان، وبما يخدم «استراتيجية 2030» لخير المملكة والإقليم والعالم برمَّته.
يؤمن القائمون على «مسك الخير» بأن الاستثمار في البشر هو أفضل توجُّه في حاضر أيامنا، فقد بات رأس المال البشري مصطلحاً فاعلاً على صعيد الحياة الاقتصادية الدولية، ومِن غيره لا طريق ولا مجال للتمكين في أي بقعة أو رقعة حول العالم.
منذ تأسيسها، فتحت «مسك» أذرعها لمعطيات الحياة العصرانية الحديثة، ولهذا انصبَّت اهتماماتها على المجالات التي تحرك العالم بشكل جذري في حاضر أيامنا، وفي المقدمة منها التعليم، الذي من دونه لا تقوم قائمة للكوادر البشرية والكفاءات اللازمة لتراكم البنيان المادي والمعنوي على كل المستويات.
والمؤكد أنه لا تعليم دون مستوى متقدم وراقٍ من الثقافة، وإلا أصبح فعلاً تلقينياً لا فائدة تُرجى منه، ولا طائل يُنتظر من ورائه، ولهذا تبادر «مسك» للتفاعل مع جميع الأنشطة الثقافية داخل المملكة وخارجها، كمعارض الكتب، والندوات الثقافية، والمؤتمرات الفكرية، كضرب من ضروب التنافح والتلاقح الفكري الخلاق مع عقول المبدعين من مختلف جنسيات العالم، فيما المجال الثالث الذي تدرك «مسك» والعقول القائمة عليها أنه بات يلعب دوراً محورياً في بناء الإنسان بصورته الحديثة يتمثل في الإعلام وأدواته وآلياته المتسارعة في الوصول إلى الناس، يوماً تلو الآخر، ولهذا تعمل جاهدة على تنمية مهارات شباب المملكة الإعلامية انطلاقاً من أن الإعلام أضحى اليوم شريكاً فاعلاً في البناء الاجتماعي والتنمية ورفع الوعي والحس الوطني بما يدور من حولنا، لا سيما في زمن باتت فيه التفرقة بين ما هو حقيقي وما هو منحول عسيرة جداً.
باختصار القول، يمكن إجمال وحدة الهدف والتوجه لـ«مسك الخيرية» بأنها تمكين المجتمع السعودي الشاب المعاصر من وضع لبنات الدولة الحديثة، القادرة على ممارسة فعل الانثقاف مع سواها من الدول.
تبقى المعرفة والمهارات أدوات الغنى والثراء والانطلاق إلى آفاق رحبة في عالمنا المعاصر، والمعنى هنا والمقصود لا يتصل بالاكتناز المالي، كما عرفته النظرية الكينزية الاقتصادية، بل يتجاوزها إلى سعة الأفق التي أوصلت الإنسان للبحث والاكتشاف في أعماق البحار والمحيطات، وحتى الكواكب والمجرات الفضائية المحيطة بنا.
الذين بلوروا فعاليات «منتدى مسك» الأخير وضعوا نصب أعينهم أربع مهارات رئيسية لا بد من توافرها في شباب الغد كمعيار وقاعدة أساسية للبناء عليها: الإلهام، والتحدي، والتعاون، والتجربة... لكن علامة الاستفهام: كيف وبأي أدوات؟
هنا تأتي المعرفة لتقدم طروحات تفيض على الحضور بالثراء المعلوماتي البنَّاء. والمثير في فعاليات المنتدى أن تلك المهارات التي تتحدث عنها المعرفة قد تمت مباشرتها وممارستها بشكل حقيقي براغماتي خلال ثنايا اليومين، ما يعني أن القول قد لازمه الفعل.
خذ إليك بعضاً من تلك المهارات، التي هي دليل المستقبل، وفي المقدمة منها تفكير الابتكار، وقد أشرنا في مقالات سابقة إلى إيمان الأمير محمد بن سلمان بفكر اقتصاد الابتكار ضمن أطر رؤيته لصحوة 2030 إن جازت التسمية الإيجابية، وهي تجوز.
عطفاً على ذلك التأكيد على الدور الذي يلعبه الذكاء الاجتماعي في التواصل الإنساني في الداخل والإقليم والخارج، وعبره يتم نسج الشبكات الاجتماعية الفاعلة وبلورتها أممياً.
من أهم المهارات التي أكد عليها المنتدى فكرة تنمية المَلَكَات العقلية النقدية، والمقدرة على اتخاذ القرارات، وهنا يتذكر القارئ من فوره مقولة الفيلسوف الألماني الأشهر إيمانويل كانط: «ليس أفضل من نعمة للعقل سوى مقدرته على النقد»، فبالنقد يضحي قادراً على الفرز والتمييز في كل آنٍ وأين.
الذين شاركوا في «منتدى مسك العالمي» الأخير بالرياض ناقشوا بعمق ووضوح، لا تنقصهما الصراحة، واحدة من أهم مهارات المستقبل، ونقصد بها «التكيُّف والصمود»، وللقارئ أن يتوجس من مصطلح كهذا، لا سيما أنه وصف للكلمات والشعارات التي نستمع إليها في أزمنة الحروب وأزمنة الصراعات العسكرية.
غير أن الحقيقة هي أن الصراعات الدائرة اليوم فوق السطح وتحته، لا تقل ضراوة عما يمكن أن تخبر به الخطوب، ولهذا فإن حروب الجيلين الرابع والخامس لا تدور عبر النار والبارود الكلاسيكيين بل عبر التفكيك والتفخيخ الداخلي، وقد رأينا أمثلة سيئة السمعة في عالمنا العربي لتلك الحروب في العقد الأخير، وما من حلّ للمواجهة سوى التكيُّف على مواجهة تلك الصعوبات، والصمود أمامها، دون انحناء أو انكسار.
أما أفعل وأجمل مهارات المستقبل التي طرحتها «مسك» في منتداها الأخير، فهي تلك الخاصة بتنمية القدرة وتحفيزها على المبادرة، والمبادأة، والتوجيه الذاتي، تلك التي تعني باختصار مفيد أن يكون التفكير من الرأس، والمأكل والملبس من الفأس، مبادرة التحرر الذاتي من عبودية فرضتها ولا تزال دوائر الرأسمالية العالمية، و«النيو ليبرالية» غير الخلاقة، مرة وإلى الأبد، إلا لصالح القائمين عليها.
لعل ما ميز فعاليات المنتدى الخاص بـ«مسك الخَيْر» هذه المرة، ما قدمه للشباب والمبدعين في الداخل السعودي من فرص خلاقة ومثيرة لم يسبق أن توفرت لهم دفعة واحدة، قبل هذه المرة، فقد عمل على ترسيخ حالة من التفاعل والتواصل مع مبتكرين ومؤثرين اقتصاديين عالميين مرموقين، ولهذا كان من الطبيعي أن يتم استكشاف وتجربة واختبار أفكار جديدة، وطرق تفكير مغايرة، ما يزيد الخبرات الحياتية الجمعية لشباب المملكة ولِمَن حضر، الأمر الذي سوف ينعكس إيجاباً على إثراء المجتمع برمَّته.
لا يمكن للمرء أن يهمل الإشارة إلى أن إتقان المهارات كان له حصة الأسد في المنتدى، عبر ورش العمل مع الخبراء العالميين، ومن خلال جلسات ومجالس المهارات والحوارات مع أصحاب التجارب الفائقة النجاح، عطفاً على ما عُرِف بـ«مختبر المهارات» الذي أتاح للمشاركين في المنتدى التعرف على أبرز التقنيات المتقدمة.
يضيق المسطَّح المتاح للكتابة عن السرد التفصيلي والتحليلي لفعاليات منتدى حيوي فاعل وناجع جرت مقاديره على أرض المملكة، لكن يمكن القطع بأنه خطوة إضافية ضمن إرادة ورؤية تذهب إلى أن الحياة الإنسانية هي الهدف والرسالة، وأنه لا وسيلة لإقامتها على قوائمها إلا بالإنسان نفسه؛ فالإنسان هو الهدف وهو الوسيلة معاً.
الخلاصة: «مسك الخير» فجر جديد ينبلج ليضيء أمام الأجيال القادمة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة