مينا العريبي
صحافية عراقية-بريطانية، رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشونال» مقرها أبوظبي. عملت سابقاً مساعدة لرئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط»، وقبلها كانت مديرة مكتب الصحيفة في واشنطن. اختارها «منتدى الاقتصاد العالمي» ضمن القيادات العالمية الشابة، وتكتب عمود رأي في مجلة «فورين بوليسي».
TT

الروبوتات وساحات القتال

صورة روبوت قتالي، شديد الدقة في إطلاق الرصاص، يصيب الهدف بسرعة غير مسبوقة. الروبوت لا يتأخر في تنفيذ الأوامر القتالية، ليست لديه مشاعر إنسانية تمنعه من قتل أكبر عدد ممكن ممن يعتبرهم «أعداء». روبوت قوي ذو كفاءة عالية يمكنه مواصلة القتال حتى وإن أصيب.
صورة قد تكون مشهداً من فيلم رعب، تظهر خطورة الروبوت القتالي وقدرته على تغيير أي ساحة قتال، خصوصاً إذا كانت الجهة التي توجهه مقبلة على الحروب. ولكن التطور المقلق الذي نعيشه اليوم هو أن هذه الصورة لم تعد محصورة في أفلام هوليوود. فهي باتت ضمن خطط تتداول سراً في مكاتب محدودة بوزارات دفاع أكثر الدول تطوراً، على رأسها وزارة دفاع الولايات المتحدة «البنتاغون».
التفكير بالروبوت القتالي يعود إلى عقود عدة، ولكن الفرق هو أن التطورات التقنية قد تسمح بتطويره فعلاً على الأرض.
هذه التطورات التقنية شبيهة بتلك التي شهدها العالم قبل مائة عام خلال الحرب العالمية الأولى، التي كانت أولى الحروب التي تغير مسارها كلياً بسبب التطورات التقنية التي جعلت القتال يتحول من القتال بالسكاكين والسيوف والبنادق البسيطة إلى الأسلحة الثقيلة والمتطورة. تلك الأسلحة التي أدت إلى مقتل 17 مليون مدني وجندي حول العالم. فالحرب العالمية الأولى كانت أول حرب تستخدم فيها الطائرات والرشاشات وغيرها من الأسلحة التي نتجت عن التطور التقني مع بداية القرن العشرين. ومع اقتراب موعد إحياء الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى الشهر المقبل، ومع تفاقم التوتر في العالم، لا بد من العمل على كافة الأصعدة لمنع اندلاع حرب عالمية من جهة، ومنع تطور الأسلحة التي بإمكانها أن تزيد من حدة وبشاعة القتال على نطاق واسع من جهة أخرى.
ويجب التحرك سريعاً بشكل جماعي على نطاق دولي، لأن الوقت لم يعد بصالحنا. فقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن تخصيص مليار دولار لتطوير الروبوتات، وهناك شركات خاصة ذات نفوذ كبير مثل «كينتيك» تتعاقد مع البنتاغون لتسريع هذه العملية. ومن اللافت أن المسؤول عن البرامج الجديد لحماية القوات في البنتاغون براين ماكفيه قال في مقابلة مع وكالة «بلومبرغ» إنه يتوقع أن تكون هناك روبوتات في كل قوى الجيش الأميركي خلال السنوات الخمس المقبلة. أي بحلول 2023 يمكننا أن نتخيل روبوتات في جميع قطاعات الجيش الأميركي، بعد أن تم تجهيز 800 روبوت خلال الـ18 شهراً الماضية، وإرسالها إلى جوار قوات عسكرية أميركية. وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على تطوير قدراتها في مجال الذكاء الصناعي، وباتت من الدول الرائدة فيه، وهناك برامج مرتبطة بالذكاء الصناعي والصناعات العسكرية، من شأنها تقوية قدرة الماكينات على القيام بالقتال بدلاً عن الإنسان.
هناك قضيتان يجب التركيز عليهما: الأولى وضع قوانين دولية حول كيفية استخدام الروبوتات، والثانية ضرورة إبقاء قرار «إطلاق النار» بيد إنسان بدلاً من إعطائه للماكينة التي يمكنها مع الوقت أن تحول اتجاه نارها حيثما تشاء.
بالنسبة للقضية الأولى، هناك دور للأمم المتحدة وللحكومات أجمعها في وضع قوانين دولية ومعاهدات ملزمة تمنع تطوير هذه الروبوتات. فالتقنية تتقدم بشكل غير مسبوق، وباتت مسألة وقت قبل أن يصبح من المستحيل إيقاف التقدم السريع في هذا المجال. كما أن الدول المتقدمة في الصناعات العسكرية والتقنية هي التي ستتحكم في مسار مثل هذه الخطوات.
وعلى كل حال، المعاهدات بمفردها لن تكون كافية. وقد رأينا هذا الأسبوع مثالاً مهماً على ذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من معاهدة القوة النووية متوسطة المدى مع روسيا، في دليل على أن الدوافع السياسية قد تتغلب على المصلحة المتبادلة بين الخصوم. لذلك على الجهود الشعبية مطالبة الحكومات بعدم الخوض في حروب جديدة والعمل على الطرق السلمية في غاية الأهمية.
أما القضية الثانية، وهي عدم التنازل عن قرار سير العمليات العسكرية للروبوتات، فهي مسألة داخلية لكل دولة ومؤسسة عسكرية. وعلى الناشطين والمتنفذين تسليط الضوء عليها والضغط لمنعها. ومن اللافت تطور تحالف غير رسمي من الرواد في مجال التكنولوجيا بهدف منع تطور مثل هذه الماكينات القتالية. وفي يوليو (تموز) الماضي، وقع مجموعة من رواد التكنولوجيا، بمن فيهم مؤسس «سكايب» يان تالين ومؤسس سيارة «تسلا» الإلكترونية إيلون ماسك، رسالة تعهد بعدم المساهمة في تطوير «الأسلحة الذاتية الأوتوماتيكية» - أي الروبوتات القتالية. وقد انضم إليهم عدد من الرواد في تطوير الذكاء الصناعي، إذ إن الخوف من أن تطوير الذكاء الصناعي لاتخاذ قرار إطلاق النار قد يُخرج الإنسان من اتخاذ القرار في إطلاق النار. وهذا التحالف يسعى للتأثير على الكونغرس الأميركي لنص تشريعات إيجابية وملزمة في هذا المجال، كما يسعى للضغط على القطاع الخاص، خصوصاً في مجال التكنولوجيا والأسلحة لتحمل مسؤوليته بعدم تطوير مثل هذا السلاح.
وبينما ننظر إلى الحروب الحالية، وإلى دور الطائرات دون طيار في تغيير مسار الحروب المعاصرة، علينا التذكر أن القرن العشرين شهد دماراً واسعاً من خلال حربين عالميتين لعبت التقنيات دوراً مهماً فيهما. ومع إحياء ذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى، واجبنا أن نزيد من عزيمتنا لمنع الحروب، وأن نقف بوجه من يتاجر بالقتال، ويسعى لعسكرة التطورات التقنية التي في غالبها تفيد البشرية وتغنيها.