بائع الحليب الذي لم يعد كذلك

بائع الحليب الذي لم يعد كذلك

الاثنين - 12 صفر 1440 هـ - 22 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد [14573]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية
بائع الحليب، وظيفة كانت منتشرة في كثير من دول العالم حتى أواسط القرن الماضي، يقوم فيها البائع بتوصيل قوارير الحليب الطازج فجراً من المزارع إلى البيوت، حتى يتسنى للناس شرب الحليب طازجاً دون أن يفسد. وظيفة كانت تبدو حينها آمنة، فلا بد للناس من أن يشربوا الحليب، وليس بإمكانهم الذهاب إلى المزارع كل يوم لشرائه، وهم -لطبيعة الحليب- لا يستطيعون تخزينه لفترات طويلة. ولكنّ اختراعاً جوهرياً، يبدو اليوم بسيطاً، أفسد على بائع الحليب معيشته، وخرب له بيته، وأخرجه من السوق من غير رجعة، ألا وهو الثلاجة. أصبح الناس يشترون الحليب بأنفسهم ويخزنونه في الثلاجات لأكثر من يوم من محلات تجارية تستطيع بدورها تخزين الحليب لأيام، وشيئاً فشيئاً خرج هذا البائع من السوق، من غير قدرة على العودة إليه مرة أخرى بعد أن انتفت الحاجة إليه. وفي يومنا هذا، نجد الكثير من أمثال بائع الحليب، الذين لم يدركوا حتى الآن أن خروجهم من السوق مسألة وقت، وأنه لن يتطلب أكثر من اختراع مثل الثلاجة!

كان آخر هؤلاء الباعة شركة «سيرز»، وهي عملاق تجاري بلغت من العمر ما يزيد على 130 عاماً، أعلنت الأسبوع الماضي إفلاسها بعد أن عانت كثيراً في العقد الأخير. والواقع أن «سيرز» كانت مطمئنة إلى رزقها أكثر من بائع الحليب بكثير، وحتى يدرك القارئ أن السوق والزمن لا أمان لهما، يكفي معرفة أن «سيرز» هي من أشهر وأوائل الشركات التي طبعت «كتالوجات» للمنتجات في عام 1888 (قبل 130 سنة)، وكانت حينها رائدة الابتكار في عالم قطاع التجزئة وقائدة لهذا القطاع. وبحلول عام 1973 كانت الشركة تملك أحد أعلى الأبراج على مستوى العالم. ويمكن القول إنه في زمن الأزمان، كانت «سيرز» تماثل شركة «أبل» في الوقت الحالي من ناحية الابتكار، ولكن في قطاع التجزئة، وتماثل شركة «أمازون» في عصرنا الحالي من حيث سيطرتها على هذا القطاع. بل إن بعض كتالوجات هذه الشركة أصبحت تباع هذه الأيام تمثيلاً لنجاح «سيرز» وهيمنتها على السوق الأميركية في تلك الحقبة الزمنية.

ولكن الزمن يتجاوز مَن لا يواكبه، هذه حقيقة مُرّة، أدركتْها شركات كانت في أيام مهيمنة على صناعتها، ولم تستطع التطور والمنافسة في عصر تلهث فيه الشركات نحو الإبداع. ففقدت «ياهو» سطوتها لحساب «غوغل»، وفقدت «موتورولا» مبيعاتها لحساب «نوكيا» التي فشلت بدورها مقابل «بلاك بيري» والتي لم تستطع هي الأخرى منافسة «أبل» و«سامسونغ». هي ذات القصة التي حدثت لشركة «كوداك» المصنِّعة للكاميرات، وهي قريبة من «تويز آر أص» للألعاب التي حدثت هذا العام. وكذلك الأمر لشركة «سيرز»، التي انحدرت عوائدها من 50 مليار دولار عام 2007 إلى 17 مليار دولار عام 2017، وقلصت عدد فروعها خلال هذه السنوات من 3400 فرع إلى 866 فرعاً، وتهاوت قيمتها السوقية من 30 ملياراً في 2007 إلى 69 مليون دولار هذا الشهر! هذه الأرقام ليست مستغربة لشركة لم تسجل أي أرباح منذ عام 2010، وغارقة في ديون تربو على 5 مليارات دولار. ولم يكن بعدها إعلان الإفلاس مفاجأة للناس، فالشركة كانت تتجه نحو الفشل بخطوات متئدة وثابتة منذ أكثر من 15 عاماً. ونسيت الشركة مع تقدمها في العمر، السبب الرئيسي الذي أدى إلى نجاحها، وهو التفوق على أقرانها في الإبداع.

والسبب يكمن في إدارة «سيرز» التي رفضت في يوم من الأيام الاستثمار في المجال التقني، ولم تعتنِ بالمبيعات الإلكترونية، ولا بمراقبة تطورات منافسيها، الذين كانوا صغاراً قبل عقدين من الزمن، ففي بداية التسعينات، كان عمر «سيرز» أكثر من 100 سنة، في حين كانت «أمازون» في عامها الأول، ولو قيل حينها لمجلس إدارة «سيرز» إن شركة عمرها أقل من عامين ستُخرجهم من السوق يوماً لضحكوا ساخرين من ذلك، ولم يكن الأمر حينها ليكلّف «سيرز» أكثر من بضعة ملايين -كانت تعد فتاتاً مقابل أرباحها الفلكية- لتستثمر في مجال المبيعات الإلكترونية، ولكنه القدر النافذ. لقد خرجت «سيرز» من السوق، ولم تعد تستطيع العودة إليه، وتجاوزها الزمن الذي تكبّرت عليه باستقرار مبيعاتها وضخامة حجمها وذيوع صيتها، تماماً كما تجاوزت بائع الحليب الذي أمن غدر السوق واحتياجاتها. ولسخرية القدر، أصبح الاثنان (بائع الحليب و«سيرز») متشاركين في كونهما مجرد ملصقات وصور تعبّر عن حقبة زمنية قديمة، تُباع في متاجر «أمازون» بسعر بخس.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة