حتى الصحافة الحرة بإمكانها التكتم على بعض الأخبار!

حتى الصحافة الحرة بإمكانها التكتم على بعض الأخبار!

الثلاثاء - 24 ذو الحجة 1439 هـ - 04 سبتمبر 2018 مـ رقم العدد [14525]
نوح فيلدمان
أستاذ القانون بجامعة هارفارد وكاتب بموقع «بلومبيرغ»

هل يحق لمجلة «ناشيونال إنكوايرار» شراء موضوعات عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لكي لا تنشرها؟ لو أن هذا صحيح، ما هو الخطأ إذاً في شراء تقرير كارين ماكدوغال، وهي الفعلة التي أقر مايكل كوهين محامي ترمب السابق بالذنب فيها؟
لقد باتت هذه الأسئلة ملحة بعد أن اتضح أن مجلة «إنكوايرار» كانت تشتري موضوعات عن الرئيس الأميركي لتخفيها على مدار عقود. فقد أراد كوهين، شراء الأرشيف الكامل ليعطيه لترمب لكي يضمن بقاء محتواه في طي الكتمان.
لنبدأ الحديث هنا بحق شراء الموضوعات بغرض عدم نشرها. في الولايات المتحدة، فإن حق الصحافة في نشر ما يروق لها من موضوعات يتضمن أيضاً الحق في الامتناع عن نشر ما لا يروق لها. ولا تستطيع الحكومة التدخل وإجبار الصحف على نشر موضوعات ضد رغبتها.
ولأزيدك من الشعر بيتاً، دعني أقل لك إن النظام القضائي بصفة عامة يدرك أن الأشخاص الذين يكتبون موضوعات معينة قد يخبرون آخرين، ومنهم الصحف، بأنه يحق لهم نشر وعدم نشر موضوعاتهم. ولذلك فلم تتجاوز مجلة «إنكوايرار» حدودها عندما قامت بشراء موضوعات خاصة عن ترمب، وقررت عدم نشرها ومنعت آخرين من نشرها، على الأقل طالما استمر الرئيس الأميركي في شغل منصبه.
لو أن ذلك بدا غريباً عليك، فهذا لأن بداخلك إحساساً عاماً بأن «التعديل الدستوري الأول» يصون حرية نشر المعلومات. وقد يبدو مخالفاً للصواب أن المؤسسة الإعلامية قد خالفت ذلك بالتكتم على المعلومات.
لكن الحقيقة القانونية هي أنه ليس هناك حق عام في معرفة كل المعلومات. فالتعديل الأول للدستور يصون حرية التعبير وحرية الصحافة، وكلا الحقين يعودان للمتحدث نفسه وليس للجمهور.
نتيجة لذلك، يحق لمجلة «إنكوايرار» والشركة التي تصدر عنها «أميركان ميديا»، أن تفعل ما فعلت. لكن ذلك الوضع تغير عندما ترشح ترمب للرئاسة. ولا يزال لمجلة «إنكوايرار» حق تقرير ما تريد نشره عن ترمب. لكنها أيضاً ملزمة بالقانون فيما يخص المشاركة في حملة ترمب الانتخابية، وهنا تحديداً وقعت الشركة في ورطة. إذا كان شراء المجلة للأخبار عن ترمب بهدف مساعدة ترمب في الفوز بالانتخابات، وإذا كان امتناعها عن النشر قد جرى بالتنسيق مع القائمين على حملته الانتخابية، وهو ما حدث، بحسب النائب العام والمحامي كوهين، فهنا نستطيع القول إن المجلة لم تنفق المال لأغراض صحافية، لكن لمساعدة ترمب في الفوز بالانتخابات، وهو ما يعني أنها كانت أحد المشاركين في الحملة الانتخابية. ولأن «إنكوايرار» مؤسسة، فإن عدم الإبلاغ عن التبرع يعد في حد ذاته تصرفاً غير قانوني. لكن دعونا نزعم لوهلة أن كوهين والحملة لم يكونا طرفاً فيما جرى. فإذا كانت مجلة «إنكوايرار» معتادة على شراء الموضوعات للتكتم عليها لمساعدة ترمب، فإن شراءها لموضوع كارين مكدوغال ربما يبدو استمراراً للعادة القديمة نفسها، وأن ذلك لم يكن مشاركة في الحملة. الأهم هو أن الصحف مسموح لها بمساعدة المرشحين بطرق أخرى من دون المشاركة في الحملة الانتخابية. على سبيل المثال، كان بإمكان المجلة نشر موضوعات تساند ترمب، وهو ما حدث، وتهاجم هيلاري كلينتون، وهو ما لا يعتبر مشاركة في الحملة الانتخابية حتى وإن ساعدت ترمب. في الحقيقة، إن الصحف بصفة عامة معفاة من بعض أوجه قانون تمويل الحملات الانتخابية، وذلك لحماية قانونية حرية التعبير.
وللتعمق أكثر في هذا الجدال، فإن خطة كوهين لشراء أرشيف ترمب الكامل من الصحيفة ربما كانت قانونية، حتى وإن كانت الحملة الانتخابية نفسها هي من قدمت المال. فالقائمون على الحملات الانتخابية يشترون الإعلانات من المؤسسات الإخبارية في جميع الأوقات، ولذلك يحق لهم شراء الموضوعات أيضاً طالما أنهم يدفعون ثمناً عادلاً يوازي سعر السوق. كان من الممكن تصور وجود ثالث إجرامي لو أن عملية الشراء كانت نفقات شخصية لترمب بحيث تقدم الحملة المال. لكن ما جعل هذا الوضع يبدو مختلفاً هو أن ترمب لم كان ليفكر في شراء تلك الموضوعات لو أنه لم يترشح لهذا المنصب.
الفارق هنا بالطبع هو أن كوهين لم يقترح شراء حملة ترمب لتلك الموضوعات، لكنه اقترح أن تشتريها مؤسسات ترمب سراً، على أن يلعب هو دور الوسيط. ولو أن مؤسسة ترمب اشترت الملف ولم تعلن عن الثمن، لكان ذلك مخالفة لقانون تمويل الحملات الانتخابية. ولو أن كوهين كان هو من دفع الثمن كما فعل في موضوع ستورمي دانيال، لكان كمن ارتكب مخالفة المشاركة غير القانونية في حملة ترمب. وحتى لو أن ترمب نفسه هو من دفع الثمن بصفة شخصية، لكان ملزماً قانوناً بالإبلاغ عن النفقات.
إن كل ما قيل في قانون تمويل الحملات الانتخابية يبدو هزيلاً، خصوصاً في ضوء الحقائق الأساسية التي تبدو صادمة. فقد استمرت المجلة على مدار سنوات في مساعدة ترمب في إخفاء حكاياته غير السارة، واستمرت تلك الممارسة حتى بعدما ترشح لأعلى منصب رسمي في البلاد. ففي عالم منصف، فإن تصرفاً كهذا كان يجب أن يكون سبباً في أن يذهب الرئيس والصحيفة إلى غياهب النسيان بسبب فعلة كهذه. لكن في العالم الذي نعيشه، فإن قانونية ما حدث تظل أمراً قابلاً للجدال.
علينا المطالبة هنا بتصحيح القانون. صحيح أن للصحافة الحق في التكتم على موضوع ما، لكن ليس من حقها أن تفعل ذلك بالتنسيق مع حملة انتخابية، والعمل لصالحها.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة