لا تعش بعيداً عن البحر!

لا تعش بعيداً عن البحر!

الثلاثاء - 10 ذو الحجة 1439 هـ - 21 أغسطس 2018 مـ رقم العدد [14511]
تركي الدخيل
كاتب وإعلامي سعودي
نبكي جميعاً على الوقت الذي مر من أمامنا، نجلس أحياناً أمام الوقت على الأريكة، أو فوق السرير، دون أن نعرف ما الذي يجب أن نفعله في هذه الدقيقة من هذه الساعة الطويلة في عمر قصير.
في السنين الأخيرة من القرن العشرين، ومطالع القرن الذي نحن فيه، بدأ مصطلح «متوسط عمر الإنسان»، وهو مصطلح بات على هذا الكوكب مصطلحاً بالغ الأهمية، عليه تصنف الدول وتقيم أحياناً، فقد تجاوزت البشرية عصور الجوائح والأمراض التي عجز الأطباء عن مقاومتها.
بفضل الصرف الصحي زادت شهية المدن لاستقبال القادمين من الأطراف، وبفضل العفن (نعم، عزيزي القارئ، بفضل العفن) اكتشف عالم النبات والأدوية ألكسندر فلمنغ المضاد الحيوي عام 1928م، ليضيف اكتشافه العبقري لمتوسط أعمارنا على الأرض ما يوازي الضعف تقريباً اليوم!
ولأن التراكم المعرفي جهد يبدأه أمثال العم فلمنغ في مختبراتهم الصغيرة لتصبح ثماره مكتسباً جماعياً لكل البشر، فإن متوسط عمر الإنسان بحلول عام 2030 سيجاوز التسعين عاماً في كثير من دول العالم المتقدمة.
ولست حاسداً أحداً على سنوات عمره، لكني أتساءل مثل كل الذين قرأوا معلومة التسعين عاماً في نشرة «لانسيت الطبية»: ماذا يمكن فعله بتسعين عاماً على هذه الأرض؟!
بطبيعة الحال لن يختلف اثنان على أن كل زيادة في متوسط أعمار الأفراد تتطلب استعداداً وتخطيطاً على كل المستويات، ابتداء بتضافر الدول والمنظمات الدولية لتوفير القواعد الأساسية للعيش الكريم لكل فرد على هذه الأرض؛ فلن أزيد على ما قاله ماجد عزتي، قائد فريق البحث الذي خلص إلى النتيجة أعلاه، الأستاذ بكلية الصحة العامة في «إمبريال كوليدج»، في لندن: «مسألة أننا سنستمر في العيش لفترة أطول تعني أننا في حاجة إلى التفكير في تعزيز نظم الرعاية الصحية والاجتماعية لدعم سكان يتقدمون في العمر ولديهم العديد من الاحتياجات الصحية».
ولكنني مهتم أكثر بتلك الساعات التي يقضيها الفرد فارغاً وحيداً، بعد أن توفرت له أساسيات العيش الكريم، أقصد ساعات الفراغ التي تمر سريعاً كمطر الصيف، كيف يمكن أن تراكم تلك الدقائق والثواني لتجعل عقرب الساعة يمشي لصالحك حتى في ساعات فراغك، لنقل مباشرة إنني أتساءل: ما الهوايات التي باعتيادها يصبح عمر الإنسان أطول وأكثر فائدة له، ولمن حوله، عزيزي المتمتع بعطلة الصيف والعيد هذه الأيام؟!
لكل منا ساعات فراغه، ولساعات الفراغ لذة، إن كانت مَستحَقَّة، فعلى رجال الأعمال والساسة وكثيري السفر، تركها كما هي مدونة في جداولهم: ساعة فراغ، نعم، لساعة الفراغ لدى الإنسان المنجز طعمها وطريقتها الخاصة في جعلها من نفسها رصيداً مضافاً يعطي لغيرها من ساعات الفرد فضل التعريف بساعة عمل.
ولكن الأغلبية لا تتمتع بهذه الميزة، أقصد ميزة كون ساعة الفراغ مقصداً لذاتها، فكيف يمكن لي ولك أن نعود أنفسنا وأبناءنا على هوايات غير مكلفة، تصبح مع الأيام اعتياداً يضيف نكهة على تلك الساعة الطويلة في عمر قصير، حتى لو امتد إلى تسعين عاماً، كما يقول الباحث ماجد عزتي، ورفاقه، في البحث آنف الذكر؟!
أعرف أن ما سأقوله مكرر جدّاً مثل نصيحة باردة، وأقسم أنني أبدأ النصيحة بنفسي، لكنها القراءة يا عزيزي، لا شيء يعدل اعتياد القراءة في ساعات الفراغ، وللقراءة ميزة أخرى؛ فهي ترفع من قيمة الوقت الذي نقضيه فيها ومعها، فلا تصبح مع الوقت ثقلاً بل هروب جميل من كل شيء، إلى عادة تجعل طعم كل شيء بعدها مختلفاً؛ فمع كتاب قديم تستطيع السفر عبر الزمن ومجالسة الحكماء، مع السير الذاتية تستطيع تأثيث بيوت العظماء من مخيلتك، مع رواية مؤجلة القراءة على رحلة طويلة، تستطيع أن تسافر إلى وجهتين، وأنت على مقعد واحد.
لتكن لك رياضتك التي تمارسها دون أن تشاهدها. اصطحب أطفالك إلى الحديقة للمشي. اهرب من شمس الصيف إلى البحر أو مسبح مجاور، وإن استطعت فلا تعش بعيداً أبداً عن البحر، فمن ميزاته أنك إن لم تسبح فيه مشيت بجواره، وكلتا الرياضتين مفيدة جدّاً، أضف إليهما خصلة الصبر التي لا يتعلمها أحد، مثل الصياد الرامي شبكته في الماء، بينما ذهنه ينظف نفسه من عوالق السنين ومتاعب العمل.
جرِّب هوس التجميع والاقتناء، أعرف صديقاً يقضي ثلاث ساعات من كل أسبوع في تتبع العملات النادرة، وأعرف آخر سافر إلى مصر العام الماضي لاقتناء طابع مر عليه سبعون عاماً، كل ذلك بدأ هوساً صغيراً وانتهى بكونه طريقة حياة.
يفضل النجم الأميركي توم هانكس قضاء وقت فراغه في جمع الآلات الكاتبة، واعتاد على ممارسة تلك العادة منذ عام 1978، وفسر ذلك بأنه يحب الأصوات، والشعور بالكتابة.
وارن بافيت، أحد أغنياء الأرض المتجهين إلى التسعين عاماً، يحب العزف على القيثارة في ساعات فراغه كهواية معلنة، كما يقضي صديقه الشخصي المقرب بيل غيتس، أحد مؤسسي شركة «مايكروسوفت»، وأحد أغنياء العالم، وقت فراغه في لعبة «بريدج»، كما أنه يلعب التنس.
ميريل ستريب، تحب الحياكة، وهي كالصيد، غزل للوقت مع غسول للدماغ إن صح المجاز، من القراءة للرياضات، للتعارف ضمن مجموعات هوس الاقتناء، مروراً بالسفر والتأمل والموسيقى، ستزهر ساعات فراغك لتصبح اعتياداً جميلاً بلا عبء الذهاب مغصوباً للنظر إلى ساعة الوقت البطيئة في عمر قصير، على كل حال: حاول ألا تعيش بعيداً عن البحر!

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة