رونق المجاورة للرئيس التسعيني

رونق المجاورة للرئيس التسعيني

الثلاثاء - 5 ذو القعدة 1439 هـ - 17 يوليو 2018 مـ رقم العدد [14476]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق
من محاسن الصدف أنني في بيروت، أعيش في مبنى واحد مع الرئيس الدكتور سليم الحص، الذي نكتسب من مجلسه أمثولات، خلال الساعة التي نكون فيها مرة أو أكثر في الأسبوع نحن زواره في مكتبه المتواضع، والذي يكتشف المرء عند المقارنة مع بعض من أهل الجاه في الحكم، مدى حرص سليم الحص على أن يكون في حياته واحداً من أكثرية الناس في عيشه البسيط.
في ساعة الصفاء، يجلس على كنبة يستغرب بعض زواره كيف أنها بسيطة وعادية، كما غرفة المكتب التي على جدرانها بعض الصور العائلية وبعض اللوحات الحروفية، ويستمع إلى أحد أشرطة مطربه الأقرب إلى مزاجه، الموسيقار محمد عبد الوهاب يغني. وكان يصعب عليّ، كما على مرافقه وصديقه العميد فارس فارس، سؤاله: لماذا يفضل أغنية «طول عمري عايش لوحدي» على غيرها من أغاني الموسيقار الراحل؟
هل هي رغبة في العزلة بعد رحيل رفيقة العمر ليلى؟ مع أن الابنة الوحيدة وداد تملأ وابنها الذي يحمل اسم جده وعلى أهبة أن يكون طبيباً واعداً، بيت الوالد رعاية، يمتزج فيها حنان الابنة الوحيدة مع تفهُّم الظروف الصحية للوالد، وما تتطلبه هذه الظروف من رعاية. وعندما تتطلب الرعاية تمضية بضعة أيام في المستشفى، فإن وداد المديرة العريقة في «الإنترناشيونال كوليج» إحدى أرقى الكليات في لبنان، تتحول إلى إحدى الممرضات والأطباء الذين يسهرون على حالة الوالد، الذي طالما أتعبه «زنار النار» الذي يعاني من آلامه بين وقت وآخر. ويذكر بالخير أمام زواره، وأحدثهم القائم بالأعمال السعودي وليد البخاري، كيف أن الملك عبد الله بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - أرسل إليه طائرة خاصة نقلتْه في مرحلة دقيقة من التوعك الصحي إلى الرياض للعلاج.
وهل إلى جانب الشعور بالعزلة وترجمتها غنائياً بالنسبة إليه «طول عمري عايش لوحدي»، هو عدم وفاء البيارتة لمن لم يعد في السلطة؟
وعندما أقول ذلك، فلأنني على مدى سنوات من مجاورة الرئيس الحص لمسْتُ عن كثب هذا السلوك البيارتي كما لمْستُه في الفترة التي سبقت اختيار تمام صائب سلام لرئاسة الحكومة، وكيف أن قناديل الدار الإسلامية كانت في تلك الفترة خافتة، وكأنما اللمبة عبارة عن شمعة، ولمجرد أن تم الإعلان عن أن سيد السراي بات تمام سلام، حدثت انتفاضة حب من البيارتة، ونشطت الذاكرة التي كانت في إجازة طوعية، وشعشعت الأضواء في الدار الإسلامية.
وقد نجد مَن يقول إن طبائع الشعوب عامة تفرض المبالغة في الالتفاف حول مَن يتزعم، كما تحدُث المبالغة بشكل عكسي عندما يفقد المتزعم والمترئس بالتدرج ذلك الالتفاف. ولكن الذي حصل للرئيس سليم الحص كان بالغ القساوة، ربما لأن الرجل عندما ترأس الحكومة خمس دورات، لم يتجاوب مع طالبي الانتفاع من سلطته الرسمية، وتلك من سلبيات الرئيس الحص في نظر الناس؛ لكنه يرى العكس، ويعتبر تلك من الإيجابيات التي على مَن يتسلم موقعاً رسمياً في الدولة أن يتحلى بها. ونراه تبريراً لذلك يعتز بتوصيف البعض له بأنه صاحب ضمير، في لبنان الذي تتكاثر فيه قلة أصحاب الضمير.
كل الذين يزورونه للمرة الأولى، وبالذات السفراء أو بعض الشخصيات السياسية العربية العابرة، يستغربون كم أن مكتبه بهذه البساطة المتناهية، قياساً بمكاتبهم ومنازلهم. ولكنهم يخرجون من اجتماعهم به مقدِّرين كثير التقدير شخصه وهدوء كلامه معهم، وكيف أنه لم يسجل على نفسه ألفاظاً تتسم بالحدة والخشونة.
وحتى في كتاباته كان هكذا. ولولا قسوة الحالة الصحية على مزاجه، لكان واصل الكتابة التي طالما أغنى أدبيات العمل السياسي بكثير منها. ويستحضر المرء مثل حالي بصفة الجار والكاتب الذي قرأ كثيراً من كتابات الرئيس الحص في صحيفة «السفير» التي احتجبت، و«الخليج» الإماراتية، و«العرب اليوم»، وقبل ذلك في صحيفة «النهار»، بعض رؤاه واستنتاجاته في كتاباته، مثل قوله: «إنني من المؤمنين بأن الإصلاح لا يتحقق إلا في ظل قيادة استثنائية، أو برأي عام ضاغط، ولا مرد للتغيير في حال تقاطُع الظاهرتيْن». و«تعلَّمنا من التجارب أن الحقيقة تعمِّر، أما نصف الحقيقة فيدمِّر». و«إن خيِّرتُ بين أن أكون قاتلاً أو أن أكون مقتولاً، فإنني أختار أن أكون القتيل، وإن خيِّرتُ بين أن أكون معذَّباً أو معذِّباً فإنني أؤثر أن أكون معذَّباً. إن أعظم العقوبات هو الندم، أي وخز الضمير». و«العولمة لعبة متوحشة لا ترحم، يتبارى فيها الكبار، ولا حساب فيها للصغار». و«أول الثوابت في السياسة اللبنانية أن لا ثوابت فيها». و«لا حقَّ للقوة أمام قوة الحق».
ما زال وهو على مسافة أسابيع من تسعينيته (مواليد 1929) على قناعاته: القناعة السياسية، والقناعة الشخصية، والقناعة المعيشية. ونراه حامداً شاكراً يتمنى لو كان في استطاعته السير من دون مساعدين في حديقة دارته، في ضاحية قريبة من العاصمة، سُميت باسمه عفوياً «دوحة الحص»، كما التسمية العفوية الثانية للشارع البيروتي الذي في أوله مبنى سكنه، إذ التسمية شعبياً «نزلة الحص»، فيما هي بلدياً «شارع الاستقلال».
من بين الثلاث والعشرين شخصية سياسية سُنية تعاقبوا على ترؤس الحكومة في لبنان، منذ الحكومة الاستقلالية الأولى في شخص رياض الصلح، وحتى الحكومة الحالية في شخص سعد الدين رفيق الحريري، كان سليم الحص منذ ترؤسه الأول عام 1976 وحتى الترؤس الأخير عام 2000، رئيساً على جانب من الفرادة، إنْ لجهة ممارسته الكتابة السياسية والاقتصادية التي يبدو فيها حاملاً قلم النقد الذاتي والمعارضة الهادفة إلى التصحيح، وإنْ من حيث الحالة الشخصية. وهذه بالذات تبدو بمثابة رفْض للعراك الطوائفي والمذهبي المتواصل في لبنان.
وندعه يروي واقعة زواجه التي تعكس لا طائفيته، وسبق أن أشار إليها في مقالة له قبل 12 سنة في صحيفتي «السفير» و«الخليج»، وبالسطور الآتية: «أنا مسلم من لبنان. تزوجتُ من سيدة مسيحية من بلدة دير القمر (ليلى فرعون)، أحببتُها حباً جماً، واحتفظَت هي بعقيدتها الدينية طوال حياتنا الزوجية السعيدة التي دامت أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، ولم يكن في الأمر أدنى إشكال أو مشكلة. وما كان هذا خروجاً على الإسلام من قريب أو بعيد، فقد كانت إحدى زوجات الرسول قبطية. وقبْل أشهر من وفاتها - رحمها الله - وكانت على فراش المرض العضال في حال من المعاناة الشديدة، توجَّهَت إليَّ بكلمة مقتضبة تنم عن تصميم قاطع قائلة: أريد أن أعتنق الإسلام. فسألتها للتو: لِم تقررين ذلك الآن؟ هل أنتِ مقتنعة بما تقولين؟ وعندما أكدتْ عزْمها، كررتُ السؤال: هل أنتِ واثقة مما تطلبين؟ فأفحمتْني، لا بل سحقتْني، ببساطة الجواب: صممتُ على أن أُدفن في قبر واحد معك. وأنا اليوم على موعد مع الغائبة».
أطال الله عمر الدكتور سليم الحص، الذي مناسبة كتابة هذا المقال يتلخص في عنوانه: رونق مجاورة الرئيس التسعيني.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة