عن جديد أوجاع السوريين في العيد

عن جديد أوجاع السوريين في العيد

الجمعة - 2 شوال 1439 هـ - 15 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14444]
أكرم البني
كاتب سوري

تتكشف في خصوصية العيد الصور الأكثر إيلاماً وغزارة عن شدة ما يكابده السوريون، جراء استمرار حرب دموية طالت وطاولت كل شيء في حيواتهم، مخلفة دماراً وخراباً هائلين، ومئات الآلاف من القتلى والجرحى، ومثلهم من المعتقلين والمفقودين، وملايين النازحين واللاجئين، ولا نحتاج إلى كثير من التأمل والتفكير كي نقدر المعاناة المضاعفة في يوم العيد للمقهورين والمشردين في شتى بقاع الأرض، ولأولئك الذين يستحضرون، صبيحة العيد، ملامح أحبتهم وأبنائهم من الضحايا أو المفقودين أو من المعتقلين والمغيبين قسرياً، لكن ما يزيد الطين بلة اليوم، تلك التبدلات الحاصلة في المشهد السوري والتي تعمق أوجاع الناس وتوجسهم من تفاقم هذا العذاب والخراب والضياع.
والبداية من ملايين السوريين الهاربين من أتون العنف والاعتقال، والذين يستقبلون العيد وقد كثرت أسئلتهم الحائرة والخائفة على مصيرهم، جراء ارتهان بقائهم وشروط حياتهم، ليس بواجب الحماية الإنسانية، بل بالتطورات السياسية التي تجري في بلدان الاغتراب. والأمثلة كثيرة، تبدأ بتنامي حالة من التوجس والخشية عند طالبي اللجوء في الغرب، مع تقدم وزن التيارات الشعبوية اليمينية التي لا توفر مناسبة لمحاصرتهم وتهديد وجودهم وشروط عيشهم، مروراً بالاندفاعات العدائية ضدهم التي تلت الانتخابات النيابية اللبنانية وتوجت بموجة من التصريحات تتعمد، زوراً وبهتاناً، تحميلهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تدهور وفساد، ربطاً بتشديد المطالبة بإعادتهم إلى بلادهم دون الاهتمام باستقرار الأوضاع الأمنية والسياسية هناك، وبما يمكن أن ينتظرهم من عمليات انتقام وإذلال واعتقال، وأوضح التجليات المعركة التي افتعلها وزير خارجية لبنان مع منظمات الأمم المتحدة المعنية بشؤون اللاجئين، ومطالبته بوقف منح الإقامة المؤقتة للعاملين فيها وللنازحين السوريين، تلتها دعوة رئيس الجمهورية وفداً برلمانياً غربياً للتعاون من أجل الحد من تدفق السوريين وتسهيل عودتهم إلى بلادهم... انتهاء بتضاعف نوازع خوف اللاجئين السوريين من عدم الاستقرار والأمان في المخيمات أو المدن التركية، ليس فقط بسبب هشاشة حياتهم وتراجع فرص العيش والتعليم مع تراجع المعونات المقدمة من منظمات الإغاثة الدولية ومع إحكام حكومة أنقرة رقابتها على شروط حياتهم وحركتهم، وإنما أيضاً خشية من مستجدات سياسية قد تنعكس عليهم مع اقتراب الانتخابات البرلمانية التركية، ليصح تفسير بعض الاندفاعات التمييزية التي بدأت تظهر ضدهم، وإن على نطاق ضيق، بوصفها محاولة يتبعها حزب العدالة والتنمية، لإرضاء وكسب أوساط من المجتمع التركي لا تحبذ احتضان هؤلاء اللاجئين أو متضررة من وجودهم، مثلما يصح فهم تنامي ظواهر الخوف والقلق عند اللاجئين السوريين من احتمال قدوم حكومة في أنقرة لا تجد فيهم المنفعة؛ بل تعدهم أحد مسببات مشكلات تركيا الاقتصادية التي بدأت تتفاقم مع تراجع قيمة الليرة وتعدد ظواهر الركود.
ومن المشهد، تلحظ في العيد، حين تقترب من الوجوه وتلمس الأيادي المرتعشة، ثقل المعاناة ووطأة العوز والحاجة عند الناس، جراء التدهور المريع للوضع الاقتصادي، وانهيار كثير من المنشآت والقطاعات الإنتاجية، وتهتك الشبكات الخدمية والتعليمية والصحية، مما أفضى إلى تردي شروط الحياة وصعوبة الحصول على السلع الأساسية، في ظل تراجع شديد في القدرة الشرائية وتفشي غلاء فاحش لا ضابط له، ربطاً بتدهور غير مسبوق في قيمة الليرة السورية أمام الدولار وغيره من العملات الأجنبية، وأفضى تالياً إلى ازدياد كبير وخطير في أعداد الأسر السورية العاجزة عن توفير أبسط مستلزمات العيش، كالغذاء والكساء والدواء، وعن التكيف مع شح الماء والكهرباء، وتراجع الفرص التعليمية والصحية، خصوصاً لمئات الآلاف من الأطفال، فكيف الحال أمام متطلبات العيد؟! وكيف الحال مع الملايين الذين باتوا بلا مأوى وفي حالة قهر وعوز شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، ومنشغلين بلملمة جراحهم وتسكين آلامهم؟! وكيف الحال مع تفكك قطاع الدولة وتراجع دوره في تخفيف معاناة العاملين فيه، ولنقل فقدانه القدرة على ضمان ولائهم عبر رشوتهم بزيادة أجورهم وتأمين بعض مستلزمات حياتهم؟!
ويكتمل المشهد المأساوي بوقوف غالبية السوريين هذا العيد في حضرة ما يسميه النظام «انتصاراً» وقد تمكن بعد استجرار دعم عسكري خارجي واسع من استعادة كثير من المناطق التي خرجت عن سيطرته لسنوات، وحشر مختلف فصائل المعارضة المسلحة في الشمال والجنوب السوريين. والأمر لا يتعلق فقط بما يثيره الترويج المستفز لهذا الانتصار الزائف؛ بل بما يرافقه من ممارسات ابتزازية وانتقامية ضد المجتمع السوري الذي تجرأ وثار على رعاته وسادته... كذا! فأي عيد للسوريين وقد تكرس القمع المنفلت وتشرعن وباتت لحظة خلاصهم بعيدة؟ وأي عيد مع هذه العودة المقززة لأساليب الماضي القهرية والتمييزية، لكن بأشكال أكثر احتقاراً وإذلالاً للإنسان وحقوقه؟ وأي عيد في ظل شيوع حالة رعب عامة جراء انحسار شروط الأمن والسلامة، وانتشار مراكز قوى وجماعات سلطوية غير منضبطة، تأمر وتنهى وتتحكم في الأرض وتقرر بقوة السلاح ما يحلو لها بمصائر البشر وممتلكاتهم، من دون أن يطال المرتكبين أي حساب أو عقاب؟ وتتواتر يومياً الحكايات عن حجم تعديات المسلحين وتنوع تجاوزاتهم ضد حيوات الناس وحقوقهم... عن مواطنين أبرياء يتعرضون، ولأسباب تافهة، للإذلال والابتزاز والأذى وللتنازل مثلاً، عن أراضيهم أو بيوتهم أو سياراتهم... عن تحسر عائلات على فشلها في تأمين «الفدية» لاسترداد أحد أبنائها المخطوفين!
والحال، في زحمة هذا المشهد المؤلم، أنه لن تخدعك جوقات صغيرة من السوريين تصطنع فرح العيد، وتبالغ في إظهار سعادتها وبهجتها، منهم ربما من لا يعنيهم ما حصل من خراب وضحايا ما داموا قد سلموا برؤوسهم وأموالهم، ومنهم من يريدون أن يهربوا من كوابيس مرعبة تحفزها ذاكرة مكتظة بصور التعذيب الشنيع والمجازر والتدمير والقتل المعمم، ومنهم من قد يتقصدون من وراء تعظيم هيصة العيد تفريغ انفعالات يحكمها الأسى والتشتت ومغالبة أرواحهم الحزينة والضائعة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة