يا شراعاً وراء دجلة يجري

يا شراعاً وراء دجلة يجري

الاثنين - 28 شهر رمضان 1439 هـ - 11 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14440]
داود الفرحان
كاتب عراقي
ليس من المبالغة أن نقول إن تجفيف نهرَي دجلة والفرات، إن حدث، ومن ثم نهر شط العرب في أقصى جنوب العراق هو أكبر تحول «جيوبوليتيكي» في تاريخ العراق والمنطقة منذ فجر التاريخ المدوَّن وغير المدون. فقد كان حوضا النهرين موقعاً لحضارات العالم الأولى قبل أكثر من عشرة آلاف عام، ومن بينها الحضارة السومرية والأكدية والبابلية في وسط العراق والآشورية في شماله، والحضارة الإسلامية العباسية في كل العراق.
ويعيش العراقيون على شواطئ النهرين وروافدهما ومصبِّهما، ويكفي أن نشير إلى أن طول نهر دجلة منذ دخوله الأراضي العراقية عند مدينة فيشخابور في أقصى شمال العراق إلى توحده مع نهر الفرات عند مدينة القرنة في محافظة البصرة الجنوبية يبلغ 1400 كيلومتر، ليكونا نهر شط العرب الذي يصبّ في الخليج العربي بعد رحلة تستمر 120 كيلومتراً. وتصب في دجلة خمسة روافد بعد دخوله من تركيا إلى الأراضي العراقية هي الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير والعظيم وديالى، ومنبع معظمها من جبال كردستان العراق وإيران، وتم تحويل مسارات بعضها إلى الداخل الإيراني. أما منبع دجلة فهو من جبال طوروس جنوب شرقي تركيا. وتقع على هذا النهر وروافده أغلب محافظات العراق، بينما تقع بقية المحافظات على نهر الفرات وفروعه، والمحافظة الوحيدة التي تقع على شط العرب هي البصرة.
ويغذي دجلة والفرات قبل توحدهما في منطقة القرنة مساحات شاسعة من الأهوار العراقية التي تفصل بين العراق وإيران في تلك المنطقة، وهي أهوار عراقية كلها ومشمولة بحماية منظمة «اليونيسكو» منذ عام 2016. وهذا يعني مسؤولية «اليونيسكو» عن هذا الموقع التراثي النادر ومنع اندثاره، وإبعاد أي أخطار تهدده باعتباره تراثاً ثقافياً وطبيعياً له قيمة عالمية متميزة، فضلاً عن فرادته في بيئته وأسماكه وطيوره وزراعاته ووسائل النقل فيه، وبيوته الطافية على المياه ومدارسه السابحة في النهر. وتعهدت «اليونيسكو» بالمشاركة في حماية وإدارة مناطق الأهوار هذه وإحيائها والحفاظ على طبيعتها وتزويدها بالخدمات التي تجعل منها مناطق جذب سياحي عالمية.
ووصفت «اليونيسكو» منطقة الأهوار العراقية لدى الإعلان عن إدراجها في قائمة التراث العالمي بأنها ملاذ تنوع بيولوجي وموقع تاريخي لمدن وحضارة بلاد ما بين النهرين، وذات أهمية استثنائية تضعها ضمن كنوز العالم التي يصبح الحفاظ عليها وإدامتها من الأولويات الإنسانية والثقافية. وشملت القائمة أربعة أهوار عراقية متداخلة ومتجاورة، هي: الأهوار الوسطى وهور الحَمّار الغربي (بفتح الحاء وتشديد الميم) وهور الحَمّار الشرقي وهور الحويزة.
وكانت أجزاء حدودية من هذه الأهوار ساحة لمعارك طاحنة في الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988). ثم لجأ العراق قبل الاحتلال الأميركي في عام 2003 إلى تجفيف بعض مساحاتها لأسباب أمنية وعسكرية. وحاولت الحكومات التي أعقبت النظام السابق إعادة ضخ مياه دجلة والفرات إلى الأهوار، لكنها ما لبثت أن توقفت عن ذلك. وتسبب قرار التجفيف بكارثة بيئية في المنطقة التي كانت تُعتَبَر مزرعة كبرى للأسماك والحيوانات البرية الأليفة، كالجاموس الأسود والطيور المحلية والمهاجرة بين القارات.
زرتُ هذه الأهوار في السبعينات سائحاً عندما كنت مديراً لتحرير مجلة «السياحة» التي تصدرها مؤسسة السياحة العراقية، وقدَّم السكان عروضاً فريدة للزوار سلطت الأضواء على حياة لم نألفها أو نعرفها من قبل.
وزرتها مرات أخرى خلال عملي مراسلاً حربياً في الجبهة العراقية - الإيرانية، وشاهدتُ كيف تعايش الناس هناك مع الحرب وشراستها مثلما كانوا متعايشين مع السلام منذ آلاف السنين.
اليوم العراق على حافة كارثة تاريخية وحضارية وإنسانية وبيئية بقرار تركيا تحويل مياه نهر دجلة إلى داخل أراضيها التي ينبع منها لملء «سد اليسو»، ما يعني تجفيف نهر دجلة وتحويله كما قالت الصحف إلى «ساقية»، ومن ثم موجة كبرى من التداعيات التي تشمل هجرة السكان وراء المياه الشحيحة وموت آلاف البساتين والمزارع وهجرة الطيور ونفوق الأسماك وحيوانات الأهوار البرية، وذبول حضارة لا مثيل لها في عراق ما بين النهرين، وتحول بغداد والمدن المستلقية على طول نهر دجلة وشط العرب والأهوار إلى قرى وسواقٍ سادت ثم بادت.
بعيداً عن إلقاء المسؤولية على الحكومة العراقية أولاً لإهمالها وسوء إدارتها المائية، والحكومة التركية ثانياً لتعسفها في غمط حقوق الجيرة، فإن ما حدث يوجب على المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة، و«اليونيسكو»، إحدى هيئاتها المهمة، التحرك الفوري لوضع قراراتها موضع التنفيذ.
فحماية أهوار العراق تستدعي حماية ديمومتها وضمان استمرار تدفق مياه نهر دجلة وروافده التي حولتها إيران إلى داخل أراضيها. وهناك سوابق قامت بها «اليونيسكو» لحماية الأنهار التاريخية أو النادرة من العبث أو الإزالة أو تحويل مساراتها، كما حدث مع نهر سالوين مثلاً، وهو نهر في آسيا الوسطى تتشاطأه الصين وبورما وتايلاند واعتبرته «اليونيسكو» أحد مواقع التراث العالمي المحددة من قبلها التي تستوجب الحماية من الأخطار أو التعدي.
ولماذا نذهب بعيداً إلى الصين، ولدينا في منطقتنا العربية مثال قريب هو قيام «اليونيسكو» في عام 2006 بإدراج أكبر «الأفلاج» العمانية ضمن لائحة التراث العالمي التي تحميها من أي أخطار. و«الأفلاج» جمع «فلج»، وهو نظام محلي لتوفير الماء في قنوات من أجل مختلف الاستخدامات، والتعريف المعجمي للأفلاج هو الأنهار أو المياه الجارية من العيون في جوف الصخور العالية إلى الوديان.
فإذا كانت الأمم المتحدة قد اعتمدت قرار «اليونيسكو» بحماية الأفلاج، وهي طريقة قديمة للري لجأت إليها سلطنة عُمان والإمارات لشحة مياه السقي، فماذا نقول عن نهري دجلة والفرات المهددين فعلاً وليس تنظيرياً بالتجفيف المتعمد وإخراجهما من التاريخ البشري الحي وتحويلهما إلى ملحق لليالي ألف ليلة وليلة؟!
لا بد أن تتدخل الأمم المتحدة هنا، وليس اليونيسكو، لتوقيع اتفاق ثلاثي عراقي - تركي - إيراني يضمن حق تركيا وإيران بالحصول على نسبة معينة يُتفق عليها مع العراق وتخضع للرقابة الدولية (وسوريا إذا شاءت بالنسبة لنهر الفرات) على أن يتم إطلاق النسبة الأكبر من المياه إلى العراق باعتبار الأمر الواقع التاريخي واحتياجاته الإنسانية والبيئية، مع إلزام الحكومة العراقية تحت رقابة دولية بإقامة سدود وخزانات خلال فترة محددة بمواصفات عالمية لضمان حقوق الأطراف المتشاطئة، وعدم هدر المياه في الخليج وسوء الاستخدام. على أن يتم إيداع وثائق هذا الاتفاق لدى الأمم المتحدة والمنظمات ذات العلاقة وتسجيل نهري دجلة والفرات ضمن الأنهار التي تحميها منظمة «اليونيسكو».
ألا تكفي العراق مآسي الحروب والحصار والاحتلالين الأميركي والإيراني، والطائفية، وفتنة الميليشيات، وإرهاب «داعش»، لتضيف إليها تركيا تجفيف أنهاره وأهواره وعطش سكانه وإسدال الستار على «دجلة الخير» الذي قال فيه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري:

حييتُ سفحك عن بعدٍ فحَييني
يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتينِ
حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذ به
لوذَ الحمائِم بين الماءِ والطين

وغنى له موسيقار الأجيال
محمد عبد الوهاب من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي:

يا شِراعاً وَراءَ دِجلَةَ يَجري..
في دُموعي تَجَنَّبَتكَ العَوادي
سِر عَلى الماءِ كَالمَسيحِ رُوَيداً...
وَاجرِ في اليَمِّ كَالشُعاعِ الهادي

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة