يبدو مأزق كير ستارمر اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: ضغوط داخلية متصاعدة، ومحاولة تعويضها بنشاط خارجي مكثف. فحين تبدأ الشعبية في الاهتزاز، وتظهر الشقوق غير المتوقعة في قواعد انتخابية كانت مضمونة تقليدياً يصبح المسرح الدولي ملاذاً مغرياً. أوكرانيا، الأطلسية، لغة «المسؤولية الدولية»؛ عناوين جادة، وقد تُطمئن، مظهرياً، رئيسَ حكومة يُضيقُ عليه الخناق داخلياً.
مُساءلة رئيس الوزراء في البرلمان، الأربعاء، أظهرت أن السياسة الخارجية لم تعد كافية لإخفاء التردد الداخلي. قضايا مثل غرينلاند، والإنفاق الدفاعي، ونظرة دونالد ترمب القاسية إلى النظام الدولي لم تعد موضوعات أكاديمية، بل ارتدَّت إلى قلب الجدل السياسي في لندن.
زعيمة المعارضة، كيمي بيدنوك، أثارت مسألة غرينلاند. سؤال سياسي أكثر منه جغرافياً، عن أن: ستارمر يُطمئن الداخل، بلا توضيح ما يقوله حقاً لواشنطن! و«داوننغ ستريت»، في اللقاءات الصحافية، تجنّبوا الإجابة إذا كان ستارمر قد كرر، في مكالمته المتأخرة مع ترمب، ما قاله للبرلمان! الغموض كان وحده جواباً.
التوقيت زاد الموقف حرجاً. لأيام بعد العملية الأميركية الجريئة في فنزويلا تساءلت قرية وستمنستر السياسية: لماذا بدا ستارمر خارج الصورة؟ هل تواصَل مع ترمب أم بقي متفرجاً؟ المكالمة التليفونية بينهما جاءت، أخيراً، مساء الأربعاء، بعد مشاركة بريطانية في عملية بحرية مع الأميركيين في شمال الأطلسي لاعتراض ناقلة بترول من فنزويلا فقدت جنسيتها «قانونياً» لتغيير أعلامها مراراً للالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا.
العملية كانت ضربة مباشرة لـ«اسطول الظل» الذي يموّل آلة الحرب الروسية. قانونياً يمكن تبريرها، وسياسياً استفزازية لموسكو. والأهم: ترمب لم يُجرِ المكالمة إلا بعد مشاركة عملية، فالخطابات الدبلوماسية وحدها لا تُرضي ترمب.
في «داوننغ ستريت» يفضلون اللغة المعقّمة لزيادة الغموض لا التوضيح، مثل: «تعزيز القدرات»، و«التنسيق مع الحلفاء»، و«مراقبة أساطيل الظل». أما الأسئلة حول ردّ الفعل الروسي، أو قدرة بريطانيا وفرنسا الفعلية على الدفاع عن أوكرانيا، فذابت في عبارات عامة عن «الإجماع الحزبي» و«أمن أوروبا» و«رغبة سكان غرينلاند».
غرينلاند كشفت عن التناقض. إذا كان مستقبل الجزيرة يعود إلى سكانها، فلماذا لا ينطبق الأمر على جزر تشاغوس، وسكانها يكررون رغبتهم في البقاء بريطانيين؟ التلاعب بالألفاظ حول «ضرورات الأمن» في قاعدة دييغو غارسيا لم يُقنع أحداً.
ما نشهده ليس مجرد نزوة ترمبية، بل عودة إلى مبدأ مونرو. حين خاطب جيمس مونرو الكونغرس في 1823، كانت الأهداف إبعاد القوى الأوروبية، خصوصاً الإمبراطورية البريطانية، عن أميركا اللاتينية «الفناء الخلفي لواشنطن». اليوم، يعاد إحياء هذا المنطق بوصفها ممارسة عملية -أو كما يمازح البعض في واشنطن: «مبدأ دونرو». منطق مصالح صلبة، وليس فلسفة أخلاقية، مقروناً بتقسيمات نفوذ أقرب إلى القرن العشرين.
محاولة إزاحة نيكولاس مادورو بدت كأنها ممارسة من القرن الـ19 بلغةٍ معاصِرة. فهل نتجه إلى عالم منقسم: غرب تقوده الولايات المتحدة، وشرق تشكّله روسيا والصين مدعومتين بإيران؟ وأين تقف أوروبا؟
تقاعس أوروبي طويل عن الإنفاق الدفاعي داخل الناتو، وحقائق الجغرافيا تبرر القلق الأميركي من غرينلاند والممرات القطبية. فالجزيرة أقرب جغرافياً إلى نيويورك منها إلى استوكهولم، وتقع عملياً على خط اعتراض الصواريخ الروسية العابرة للقارات.
بريطانيا لها مكانة خاصة عند ترمب. ليس عاطفةً فقط، بل حسابات. لكن «ورقة ترمب» التي عدّها ستارمر رصيداً له بدأت تفقد فاعليتها. العلاقة الدافئة وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم إلى مبادرة ورؤية.
رئيس وزراء أكثر جرأة ربما كان سيبحث، بهدوء، صيغةً ثلاثية بين واشنطن وكوبنهاغن وغرينلاند؛ كتوسيع استخدام القواعد الأميركية بعقود طويلة الأمد مقابل ضمانات دستورية ومكاسب اقتصادية لسكان الجزيرة، كاستثمارات في التعدين والمعادن النادرة التي تحتاج إليها أميركا وحلفاؤها. هذه الصفقات تتطلب خيالاً سياسياً وشجاعة، وربما الاستعانة بخبرة من يعرف دهاليز الأطلسي جيداً، وما زال يحتفظ بدفتر أرقام واشنطن، وبعض العواصم الأوروبية، في جيبه.
داخلياً، الإشارات مُقلِقة. استطلاع حديث في منتدى «مامزنت» البريطاني -منصة لنساء الطبقة الوسطى تقليدياً قريبة من «العمال»- أظهر تراجع الثقة بالحكومة. ابتعاد فئات كهذه وازدياد نزعات احتجاجية، هو إنذار مبكر لا يُستهان به.
في عالم يعود إلى سياسة القوة، لم يعد ضوء المسرح الدولي كافياً لحجب التردد في الداخل. مأزق ستارمر أن هروبه إلى الخارج عاد ليحاصره في وستمنستر. وفي السياسة، كما في الجغرافيا القطبية، الجليد -كما يعرف سكان الشمال- لا ينتظر المترددين في الحركة.
