مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

موضع وموضوع: هرمز ومضائق التاريخ

استمع إلى المقالة

بعض المواضع عبر التاريخ مشبعة بالسياسة متخمة بالجدل مفعمة بالسجال التاريخي المتوقد دون انطفاء في توهج لهبي يتحدى مياه الزمان الهادرة.

والسبب يتكثف في نعمة أو لعنة الجغرافيا، حسب موقعك ومصلحتك، ومن هذه المواضع الخاصة (هرمز) الذي لوحت إيران أكثر من مرة خلال العقود الماضية بغلقه، في محاولة لإخافة العالم، حيث تمر عبر هذا المضيق في حلق الخليج العربي من جهة المياه المفتوحة على بحر العرب ثم المحيط الهندي الكبير.

في الأساس هرمز الذي سُمي به المضيق، هو نسبة لجزيرة تحمل هذا الاسم، والجزيرة تتبع اليوم محافظة هرمزگان الإيرانية وتبلغ مساحتها 42 كم² (أي 16 ميلاً مربعاً).

لكن ماذا عن هرمز في دفاتر التاريخ القديم؟

قال ياقوت الحموي في موسوعته «معجم البلدان»: «هُرْمُز: بضم أوله، وسكون ثانيه، وضم الميم، وآخره زاي، قال الليث: هرمز من أسماء العجم... قال: والشيخ هرمز يهرمز، وهرمزته: لوكه لقمة في فيه لا يسيغها فهو يديرها في فيه. وهرمز: مدينة في البحر إليها خور وهي على ضفة ذلك البحر وهي على برّ فارس، وهي فرضة كرمان إليها ترفأ المراكب ومنها تنقل أمتعة الهند إلى كرمان وسجستان وخراسان، ومن الناس من يسميها هرموز، بزيادة الواو. وهرمز أيضاً: قلعة بوادي موسى، عليه السّلام، بين القدس والكرك».

هذا ما قاله ياقوت، وبعده بقرون تحدث عنها الرحالة المغربي ابن بطوطة ثم بعده بقرون تحدث عنها الرحالة الإيطالي ماركو بولو فقال عنها إن هرمز مدينة عظيمة ونبيلة على البحر، يجلب لها العدد المهول من الخيول المطهمة، والناس يأخذونها إلى الهند للبيع لأنها غالية الثمن. والتجار يأتون إلى هناك من الهند بسفن محملة بالتوابل والأحجار الكريمة واللؤلؤ وأقمشة من الحرير والذهب والعاج. وبضائع أخرى كثيرة حيث يبيعونها لتجار هرمز، وهؤلاء بدورهم يحملون هذه الأشياء إلى جميع أنحاء العالم لبيعها ثانية.

صارت هرمز مملكة تجارية بحرية ذات شأن كبير لنحو قرنين من الزمان ولسلاطينها فصول حافلة على ضفتي الخليج العربي وعمان.

يزعم الكتَّاب الفرس أن مدينة هرمز كانت مدينة فارسية بحكم نشأتها الأولى إلا أن سلطان هرمز توران شاه الذي حكم هرمز عام 1516 نفى هذا الزعم مشيراً إلى أن مؤسس هذه المملكة شيخ عربي وفد من عمان.

انتهت مملكة هرمز رسمياً عام 1622م بعد تحالف فارسي - إنجليزي طرد البرتغاليين الذين سيطروا عليها منذ 1515م.

كل ما مضى وهو مجرد علامات سريعة غاية في الاختصار، عن نشاط تجاري اقتصادي سياسي ثقافي لوَّن مياه الخليج العربي ورسم ملامح سواحله وناسه وشيوخه في العصور الوسطى، مع تهشم ممالك المسلمين تحت ضربات المغول من جهة ثم البرتغاليين وقرصانهم العسكري البحري الأشهر ألبوكيرك في الثلث الأول من القرن السادس عشر الميلادي.

إن كان لهذا السرد الماضي من معنى فهو أن بعض المعالم والمواضع تملك طاقتها وسحرها ونعمتها ولعنتها الخاصة عبر الزمان، مهما اختلفت القوى السياسية التي تمر على سطحها الظاهر.