الإرهاب ومستقبل الأجيال القادمة

الإرهاب ومستقبل الأجيال القادمة

الأربعاء - 23 شهر رمضان 1439 هـ - 06 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14435]
يوسف الديني
كاتب سعودي
تقارير المنظمات الدولية تؤكد وجود الآلاف من الضحايا الأطفال الذين يتم استخدامهم في النزاعات المسلحة في مناطق التوتر حول العالم، معظمهم ضحايا لعائلاتهم، وكثير منهم تم اختطافه أو ضربه أو التغرير به، وحتى شراؤه لاستغلاله لاحقاً في عمليات انتحارية لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنه وقود لأزمات أكبر منهم، يتقدمها الأمن والبلد المنقسم، وليس آخرها الفاقة والفقر اللذان يدفعان أطفال الرصاص إلى خيار مربع العنف.
مع توحش تنظيم داعش، تحول ملف تجنيد الأطفال واستغلالهم في النزاعات المسلحة والعنف الفكري والعملي، من كونه ظاهرة ممجوجة تحاول التنظيمات نفيها أو تكذيبها، وربما تبريرها على استحياء، إلى ظاهرة تتبجح التنظيمات المسلحة في تبنيها، وهذا ما نراه الآن مع «القاعدة» الصاعدة في اليمن و«داعش» الذي يحاول إيجاد موطئ قدم مجدداً في مناطق مختلفة من العالم، خصوصاً أفغانستان وباقي قارة آسيا، وهي الحال ذاتها مع ميليشيا «أنصار الله» (الحوثيين)، مما يؤكد أن جزءاً من تكنيك التنظيمات الإرهابية ليس فقط الرهان على العودة بالواقع إلى الماضوية، وإنما الاستثمار في تهديد المستقبل، وخلق أجيال من الشباب والمراهقين المتطرفين.
المغزى الأول من تجنيد الأطفال الآن، الذي ارتفعت معدلاته بشكل تصاعدي بعد تحول أولويات جماعات العنف في طرائق المواجهة، هو تحويلهم إلى وقود للعمليات الانتحارية، لأسباب كثيرة تعود إلى سهولة تجنيد الأطفال، وتحويلهم إلى كوادر يمكن الوثوق بها، إضافة إلى أن نقص معدلات الاستقطاب منذ بدايات الحرب على الإرهاب، أسهم في البحث عن فئات جديدة للاستفادة منها، في حين أن الحرب الدولية على الإرهاب تقوم على محاولة التصدي للعنف المسلح في حدوده الأمنية بشكل أساسي، ثم الإغاثية للمناطق المنكوبة؛ لكن لا تزال هناك فراغات كبيرة فيما يخص برامج تدشين الوعي بمسألة التطرف والإرهاب، والخطابات المضادة لخطاب التنظيمات المتطرفة.
خطأ إهمال مجتمع «داعش» يجب ألا يتكرر في اليمن، وعلى المنظمات الدولية المعنية وحتى التحالف أن يطلق برامج شاملة لإعادة «الوعي» المختطف في المناطق المنكوبة بتحدي الإرهاب، سواء في نسخته السنية القاعدية الداعشية أو إرهاب الميليشيات الشيعية، التي تحاول تمرير أجندة ملالي طهران السياسية، وتصدير ثورتهم عبر مسارات فكرية وتربوية.
في الحالة اليمنية يتفاقم الوضع وفقاً لتقارير المنظمات الدولية عن تفاقم ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن من قبل الحوثيين، منذ فشل الوصول إلى صيغة سياسية توافقية ووقوع البلاد في فخ الاضطرابات.
ففئة الأطفال هي الفئة المحببة لدى كل القوى السياسية التي تملك ميليشيات مسلحة، والتي تسعى إلى استقطابهم وشرائهم، سواء من قوى ثورية تحاول تكثير سواد حضورها على الأرض، أو ميليشيات تنتمي إلى النظام السابق، إضافة إلى تقاسم الحصّة الأكبر بين الحوثيين و«القاعدة» والقبائل التي لا تتوانى في استغلال أطفالها ومراهقيها لإحداث توازن على الأرض.
جماعة الحوثي (أنصار الله) بدأت حملات التجنيد مبكراً في صعدة والمناطق التي تخضع لسيطرتهم، وهو ما رصدته تقارير حقوقية كثيرة، وفي المقابل، نشطت «القاعدة» وجماعة «أنصار الشريعة» إلى فتح معسكرات تجنيد في أبين جنوب اليمن، وعادة ما تستغل المساجد والمناشط الدينية لاستقطاب المراهقين.
وبحسب تقرير منظمة «سياج»، وهي منظمة يمنية غير ربحية لحماية الطفولة، قامت بعمل دراسة ميدانية، انتهت فيها إلى أن «تجنيد الأطفال في صفوف الحوثيين يصل إلى ما نسبته 50 في المائة، مقابل 40 في المائة لمجندين أطفال يقاتلون في صفوف القبائل والجماعات الدينية المسلحة».
ومن هنا يجدر بالمنظمات الدولية إعادة النظر في الحالة اليمنية، وذلك عبر إلزام كل القوى السياسية لفك ارتباط الأطفال المجندين، والعمل على إعادة دمجهم في المجتمع المدني، والعمل على إيجاد تدابير عملية من قبل الحكومة، من شأنها أن تعمل على تسريح، وإعادة تأهيل وإدماج الأطفال المجندين.
واحدة من أهم خطوات تجنيد المراهقين ممن هم دون العشرين، حالة العاطفة الدينية المشبوبة لصغار السن، الذين عادة ما يكونون انخرطوا في تجربة تدين حديثة، مصحوبة بتضحوية شديدة، فكثير من هؤلاء الشباب العشرينيين يعاني في هذه المرحلة العمرية الحساسة من اضطراب سلم القيم، كما هو معروف في علم النفس الاجتماعي، إذ تتقدم قيم إظهار الذات وتحكيم العاطفة والتضحية والإقدام على قيم أخرى، كالعقلانية والانسجام بالبيئة المحيطة.
اللافت أن استغلال الأطفال لا يتخذ شكلاً واحداً في مناطق التوتر؛ بل هناك أنماط مختلفة للتجنيد، لا سيما لمن هم دون الـ18 عاماً، حيث يعمل معظمهم حمّالين، وحراساً، ومخبرين أو مقاتلين، أو يتم تهيئتهم كأجساد مفخخة انتحارية. وتتحدث التقارير عن قيام تلك الميليشيات باستخدام الأطفال دون الـ10 دروعاً بشرية.
هناك حلقة مفقودة في قراءة الإرهاب، التي عادة ما تكون قراءة لاحقة وتالية بعد تورط الكوادر العنفية؛ لكنها لم تقترب من لحظة التحول وغياب دور الأسرة أو تجاهلها، بحجة الخوف والقلق على المصلحة الشخصية للابن ولو بشكل متوهم، كما أن التجنيد الآن انتقل من الطريقة الشبكية التي تحدث عنها خبراء الإرهاب في بداياته إلى التجنيد الفردي، حيث لا يتم الالتحاق بمجموعات متطرفة بشكل تنظيمي هيكلي، ولذلك فإن التعرف عليهم يكون عسيراً في الغالب، بسبب غياب السمات الشخصية أو العلامات الدالة، وحرصهم على السرية والتكتم في خطواتهم التي يقدمون عليها، ومن طبيعة هؤلاء المجندين الصغار غير المرتبطين هيكلياً، أن يحرصوا على الانضمام السريع إلى العراق أو اليمن أو سوريا، عبر وسطاء في دول مجاورة، كما تحرص الجماعات المتطرفة على تجنيد هذه النوعية لسهولة التأثير عليها وإقناعها بالقيام بعلميات انتحارية، من دون تفكير أو فحص للعواقب.
جزء من أزمة قراءة الإرهاب أيضاً وسهولة تجنيد الأجيال الجديدة من الشباب، يعود إلى أن العنف الإرهابي في شكله المعاصر تجاوز مسألة القناعات الدينية. إرهاب اليوم ظاهرة معقدة وحديثة متصلة - بحسب الفيلسوف حنه أردنت - بنوع المجتمعات التي تسعى وراء الحداثة واكتساب طرائق العَلمانية، أي المجتمعات التي تبحث عن التغيير، سواء المادي والمعنوي، وبالتالي العنف اليوم هو مفارق للإرهاب السياسي الذي لا يعدو أن يكون سلوكاً رمزياً قائماً على استخدام منظَّم للعنف، بسبب ارتفاع منسوب الخوف والقلق. فاستخدام هذا النوع من العنف هو أحد مكوِّنات الفعل الإرهابي الذي يدخل في نزاع مع دولة القانون حول إمكانات الأمَّة وتاريخها. فهو صراع من أجل امتلاك الحقيقة. فالإرهاب ينطلق من رفض المجتمع، دون أن يكون هناك هدف واضح من هذا الرفض أو غاية محددة؛ فهو يحتوي بداخله على الفوضى والعشوائية.
العنف سلوك خارج بنية الدولة، هو مفهوم قائم على حل التناقضات بالقوة؛ لكن الإرهاب هو شكل لليأس يعبر عنه المنخرطون فيه على طريقة الاقتصاص والانتقام، هذا الانتقام الذي لا يستحضر أي معنى من معاني العنف وعلاقتها بتغيير الوضع القائم.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة