وزارة الشؤون الإسلامية والتغيير المأمول

وزارة الشؤون الإسلامية والتغيير المأمول

الثلاثاء - 22 شهر رمضان 1439 هـ - 05 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14434]
لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، مهام كبيرة، أبرزها الدعوة للدين الإسلامي، والإرشاد والتوجيه لتطبيقات عقدية معتدلة، والعناية بكتاب الله حفظاً وتوزيعاً وتفسيراً، وكذلك العناية بالمساجد وبناء المراكز الإسلامية في الخارج.
يبدو للوهلة الأولى أن مثل هذه الأهداف أمر يسير بالنسبة لبلد يحتضن الحرمين الشريفين، وتُعنى قيادته منذ المؤسس الملك عبد العزيز - رحمه الله - ثم أبنائه من بعده بالشأن الديني، ويحكم بالشريعة الإسلامية في معظم قوانينه، ومجتمع محافظ يمثل له الدين شريان حياة.
لكن في الواقع، أن عمل وزارة الشؤون الإسلامية بالغ الحساسية، ويوجب المتابعة والرقابة الدائمة؛ ذلك لأنها المؤسسة الحكومية الوحيدة التي من صميم عملها إنشاء وتعمير مقرات تابعة لها في أنحاء واسعة من العالم، لخدمة عموم المسلمين، أي أنها تمثل الدولة بكل ما تقدمه من خدمات للمسلمين في الخارج. نضيف إلى ذلك أنها بطبيعتها تضم موظفين وعاملين معظمهم من الشريحة المتدينة، مما يجعلها عرضة لأن تضم بين جنباتها أطيافاً من ذوي التوجهات الفكرية المتطرفة، بعضهم ظاهر، وبعضهم ساكن في العمق.
وبكل وضوح، فإن وزارة الشؤون الإسلامية في السعودية تأتي ضمن المؤسسات الحكومية، كالتعليم وغيرها، التي أصابها وباء التطرف، وتمكنت فيها جماعة الإخوان المسلمين من السروريين، من بناء قاعدة لهم خلال عقود من الزمن.
ويظل «اجتثاث» هؤلاء أمراً في غاية الأهمية وأيضاً الصعوبة. ومفردة «اجتثاث» التي استخدمها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كآلية ضد التطرف، مفردة بليغة؛ لأنها تعني اقتلاع ما تم استقراره في باطن الأرض، ما يتطلب عزيمة وقوة وصبراً.
ومع كل مهمة من مهام الوزارة، تكمن ضرورة ملحة في سرعة التغيير والتطوير. فالعناية بالقرآن الكريم من خلال إنشاء مدارس تحفيظ القرآن عمل مطلوب، ولكن لا أحد يستطيع أن يتجاهل أن بعضاً من هذه المدارس أصبحت حواضن لنشر الأفكار المتطرفة، وبعضاً من الذين أدينوا بجرائم إرهابية كانوا من خريجي هذه المدارس. هذا بالضرورة يفرض تنقية المدارس وجمعيات تحفيظ كتاب الله من الفساد الفكري، المتوغل في بعض القائمين على هذه الشعيرة العظيمة.
دعوة الناس للإسلام، أو توعية المسلمين ببعض العبادات، يتطلب اختياراً دقيقاً للدعاة الذين يخاطبون جمهوراً جاء ليستمع إليهم ويأخذ برأيهم، ثقة بهم وبالجهة الحكومية التي اختارتهم. وبالأخص الدعاة الذين توكل إليهم مهمة الدعوة خارج المملكة، فهم يؤدون عملاً يمثلون فيه اسم المملكة. وقد انقضى زمن كان بعض المجتهدين الذين نصبوا أنفسهم دعاة للإسلام، يجوبون العالم لإلقاء المحاضرات والندوات خارج إطار عمل الوزارة، ودون أخذ إذن منها، مما جعل العمل الدعوي غير منظم، وتحول إلى تجارة مربحة لهؤلاء المتحمسين، وبعضهم بكل أسف تم منعه من دخول بعض البلدان الإسلامية والأوروبية، لأسباب تتعلق بطروحاتهم الفكرية. هذه الأمور كانت تستدعي ضبطاً وحزماً من وزارة الشؤون الإسلامية؛ لأن كل داعية منهم مثل السفير، يمثل البلد المرجع، والوزارة هي المسؤول الأول أمام الحكومة والمجتمع المحلي والدولي عن اختيار الداعية الصالح.
من ضمن إطار الدعوة التي تنتهجها حكومة المملكة بناء المساجد، واختيار من يقوم عليها من أئمة وخطباء. ومع ذكر الخطباء، فقد كان لنا زمن ليس ببعيد، يعتلي فيه الخطيب منبر المسجد أمام المئات من الناس، ليقدم لهم رأيه الشخصي في حدث سياسي، أو يدعو بالويل والثبور على مواطن سعودي لم ترُقْ له مهنته، أو يفتي بما ليس له ليضيق على الناس ممارسة حياتهم اليومية، بإفزاعهم من أمور أصلها مباح، ولكنه اجتهد ليضع لها فرعاً يحرمها. هذه الممارسات السلبية وإن كانت تقلصت، فإنها لا تزال حاضرة، خاصة في المدن الصغيرة والقرى التابعة لها، التي غالباً ما تغيب عنها عين الرقيب.
ولعل أهم ما يمكن الإشارة إليه بالحديث عن مهام وزارة الشؤون الإسلامية، هي المراكز الإسلامية التي تبنيها المملكة على نفقتها في مدن كثيرة في كل قارات العالم، بهدف نبيل، وهو أن تكون مراكز لنشر الدعوة إلى الدين الإسلامي المعتدل. الحقيقة أن التجربة وإن نجحت في مواطن كثيرة، فإنها فشلت في أخرى، نظراً لعدم متابعة عمل هذه المراكز أو مخططات من يقوم عليها من أبناء الجاليات في الخارج. ونأسف للقول مرة أخرى، إن بعضاً من عناصر «داعش» كانوا يرتادون بعض هذه المراكز، وبالتأكيد تلقوا فيها ما يغذي أفكارهم.
كما قلت في بداية المقال، المهمة تبدو سهلة لدولة تقود العالم الإسلامي؛ لكنها تتطلب مزيداً من الرقابة والمتابعة والحزم في الاجتثاث، سواء من داخل الوزارة نفسها، أو في نشاطاتها في الداخل والخارج.
ومن حسن الحظ والاختيار، أن تم تعيين الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ لحقيبة وزارة الشؤون الإسلامية مؤخراً، وهو رجل معروف بفكره الوسطي وطروحاته المعتدلة. ولكن هذا لا يكفي إن صدقنا القول، فهناك جانب في شخص الشيخ تحتاجه الوزارة، وهو شدته في الحق ووضوح رؤيته.
في موقع كهذا، لا يكفي أن تميز الحق من الباطل، بل تلزم القوة في التطبيق، والعزم على تصحيح المسار.
[email protected]

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة