خروج إيران من الاتفاق النووي انتحار سياسي!

خروج إيران من الاتفاق النووي انتحار سياسي!

الأحد - 20 شهر رمضان 1439 هـ - 03 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14432]
د. حسن هاشميان
محلل في الشؤون الإيرانية

في سباق مع الزمن، يعرض الولي الفقيه مناورة جديدة على الأوروبيين عنوانها الخروج من الاتفاق النووي، من أجل الضغط على تلك الدول للإجابة عن شروطه قبل نهاية المهلة التي حددها في نهاية الشهر الحالي. وفي حديث مع التلفزيون الإيراني، قال عباس عراقجي مساعد وزير الخارجية وكبير المفاوضين الإيرانيين: «في حال عدم تلبية الشروط الإيرانية من قبل الاتحاد الأوروبي، سوف نخرج من الاتفاق النووي تحت البند 36». وهذا البند يشير إلى حق إيران في تقديم شكوى ضد الولايات المتحدة وفقاً للمزاعم الإيرانية، ولكن في حال عدم تحرك مجلس الأمن لمدة لا تتجاوز 30 يوماً وعدم تبنيه الشكوى الإيرانية، ترجع تلقائياً جميع القرارات الأممية ضد إيران التي أُلغيت بعد إبرام الاتفاق النووي، ومن خلال هذه القرارات سترجع جميع العقوبات التي كانت مفروضة سابقاً على دولة الملالي بما فيها العقوبات الأوروبية حول صادرات النفط.
ومن أجل زيادة وتيرة التهديدات الإيرانية ورفع درجة المناورة ضد الأوروبيين، صرح محمد جواد ظريف وزير الخارجية قبل يومين في حوار مع وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري، بأن القرار بخصوص البقاء في الاتفاق النووي أو الخروج منه، خرج من حصر وزارة الخارجية ودخل في حوزة القيادة العليا للنظام. وطبقاً لهذا التوجه الجديد، هناك أطراف أخرى ستشارك في اتخاذ القرار، يعتبر وزير الخارجية الطرف الضعيف منها.
وهذا عكس ما حصل في عام 2013 بعد مجيء حسن روحاني إلى سدة الرئاسة، حيث نقلت القيادة الإيرانية الملف النووي من المجلس الأعلى للأمن القومي إلى وزارة الخارجية، بهدف تسهيل المفاوضات مع الأطراف الغربية وإبعاد مسؤوليتها عن أكتاف الحرس والولي الفقيه وتحميل مسؤوليتها على عاتق وزير الخارجية، حسب ظواهر الأمور في إيران.
وعلى خط المناورة الإيرانية، طلب الرئيس الإيراني حسن روحاني من القطاع الخاص التحرك أكثر من أجل تعويض العقوبات الاقتصادية الآتية! وفي حديثه مع المستثمرين المحلّيين، قال روحاني إن بإمكان إيران الوقوف في وجه العقوبات الاقتصادية. ويأتي هذا الكلام وسط استياء عام يسود القطاع الخاص الإيراني من تدهور الأوضاع وارتفاع الأسعار في الأسواق الإيرانية بعد انهيار الريال أمام الدولار عشية تنفيذ العقوبات الأميركية. وعقب هذا الاستياء الواسع، دخلت أقسام كبيرة من الأسواق الإيرانية حالة إضراب عام في مدن مشهد وطهران وشيراز وبانة في كردستان، وتوسع الإضراب عند سائقي الشاحنات إلى مختلف أنحاء البلد. ولكن يبدو أن حسن روحاني مصرّ على إرسال رسالة إلى الأوروبيين «بأن عقوباتكم لا تؤثر علينا» وعليكم تنفيذ شروط الولي الفقيه، وإلا سنخرج من الاتفاق النووي!
أما عكساً لما يقوله روحاني، ووفقاً للتقديرات الداخلية، فإن إيران تطمح إلى وصول معدل نموها الاقتصادي إلى 8 في المائة للأعوام الأربعة المقبلة، وهذا لا يحدث إلا بالانفتاح الاقتصادي على العالم، وخصوصاً الدول الأوروبية وتثبيت الأوضاع الاقتصادية على حالها قبل خروج أميركا من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات الأميركية على نظام الولي الفقيه. أما في سياق الواقع وفي أحسن الأحوال وفي ظل ارتفاع ملحوظ لأسعار النفط وتثبيتها، حصلت إيران على معدل نمو اقتصادي للعام الماضي لا يتجاوز 3.4 في المائة خلافاً لتوقعات الحكومة. ولكن في توقعات أشبه بالخيال، تترقب الوزارة الاقتصادية نمواً اقتصادياً في إيران يترنح بين 5 و5.5 للعام الحالي.
أما بالنسبة لوضع العاطلين عن العمل، تحتاج إيران إلى خلق مليون و600 ألف وظيفة سنوياً، يعني 3 أضعاف قدرتها في الوقت الحاضر، حتى تبقى على وتيرتها الحالية من نسبة البطالة. وهناك من يشكك في الأرقام التي تقدمها الحكومة الإيرانية عن خلق الوظائف الجديدة في المرحلة الراهنة قبل مجيء العقوبات، ناهيك بما يحصل بعد العقوبات.
وبعد كل هذا، لو نظرنا إلى الميزانية الإيرانية وعجزها للعام الحالي، نشهد غياب من 4 إلى 6 مليارات دولار بالتطبيق مع التكاليف السنوية داخل حسابات الميزانية، وهذا العجز يأتي في ظل سلامة صدور النفط الإيراني وعدم دخول العقوبات الأميركية حيز التنفيذ. أما في حال خروج إيران من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات الأوروبية على النفط الإيراني، ستحرم إيران من نصف مواردها المالية التي تأتي من صادرات النفط التي تبلغ 51 مليار دولار في الوقت الحالي.
أما في الرجوع إلى المواطن الإيراني وحالته الاقتصادية والاجتماعية، منذ فبراير (شباط) الماضي وفقط لمدة زمنية لا تتجاوز 5 أشهر، فقد تراجعت القوة الشرائية له قرابة مائة في المائة بعد الهزة الاقتصادية الجديدة التي أدت لهبوط سعر الريال الإيراني مقابل العملة الأجنبية. وفي غضون ذلك، ووفقاً لما نشرته وكالة «إيسنا» الطلابية في الشهر الماضي، ارتفعت نسبة الفقر في إيران لتشمل ثلث نفوس البلد أو 33 في المائة من المواطنين الإيرانيين، يعيشون تحت الحرمان المطلق. وطبقاً لتعاريف الحكومة الإيرانية، يطلق «الحرمان المطلق» على الفئة الاقتصادية التي لا يتجاوز راتبها أكثر من 250 دولاراً شهرياً، وتواجه نقصاناً متزايداً في الخدمات الصحية والمجاعة، وتعاني من نظام إداري فاشل مفعم بالاختلاس وسرقة المال العام وترسيخ نظام الرشى والمحسوبية.
وإضافة إلى ذلك، وكناتج للانهيارات العظمى في الاقتصاد الإيراني والنظام الإداري البائس في ظل دولة الفقيه، ارتفعت نسبة الجريمة في إيران إلى أرقام قياسية لا تطاق، حيث سجلت نسبة القتل والسرقة والنصب وغسل الأموال والمخدرات والطلاق في إيران أرقاماً قياسية جديدة، تصل إلى أعلى عدد منذ تأسيس الدولة الإيرانية الحديثة في عام 1920. وعلى سبيل المثال، لو ركزنا على ظاهرة الطلاق واستناداً إلى الإحصائية التي قدمتها إدارة النفوس والأحوال الشخصية في إيران، شهد العام الحالي تراجعاً بنسبة 8 في المائة لحالات الزواج، بالمقارنة بالعام الماضي، وفي الوقت نفسه سُجلت 175 ألف حالة طلاق في المكاتب الرسمية، تحمل 7 في المائة زيادة بالنسبة للعام الذي سبقه. وإضافة إلى ذلك، يعترف المسؤول الإيراني أن أكثر من 53 في المائة من إنتاج الأفيون في أفغانستان، ينتقل إلى داخل إيران، وقسم كبير منه يتحول إلى منتجات أفيونية، تُهرب إلى دول الاتحاد الأوروبي وبعض دول المنطقة.
وهذه الحالة الاجتماعية المريضة تعتبر نموذجاً صغيراً من طبيعة حكم نظام الولي الفقيه وكيفية تعامله مع المواطن الإيراني، وترسم صورة عابرة عن المجتمع الذي قدمه الولي الفقيه لشعب الإيراني طيلة 40 عاماً، ناهيك بالحالة السياسية الفظيعة التي يحكم من خلالها الولي الفقيه، بالبطش والتنكيل والسجون والتعذيب والإعدامات.
ففي هذه الظروف، لا شك أن المجتمع الإيراني بكل طوائفه وقومياته، يعيش في الوقت الحاضر حالة متفجرة، وفي حال وقوع مغامرة جديدة من قبل نظام الملالي على شاكلة الخروج من الاتفاق النووي، سيصبح بركاناً على الولي الفقيه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة