اليوم، سوف أتعمد الإطاحة بأحد مبادئي المفضلة، وأتوقع بما يلي: لن ينجح «بريكست»، أو بعبارة أخرى، المملكة المتحدة لن تنجح في مغادرة الاتحاد الأوروبي. وبحلول عام 2023، سوف نعيد النظر إلى تلك المسألة السخيفة برمتها كما لو كانت حلقة مكتشفة حديثاً من المسلسل الكوميدي «أبراج فولتي».
بعد فترة وجيزة من الاستفتاء الذي صوّت الشعب البريطاني، بكل سذاجة، بالموافقة على مغادرة الاتحاد الأوروبي، اقترحت أن هناك فرصة بنسبة 33 في المائة أن «بريكست» لن ينجح. والآن، فإنني أرفع هذه النسبة إلى 75 في المائة، ومع كل يوم يمر تزداد حالة العجز لدى حكومة تيريزا ماي، وتتصاعد الاحتمالات تبعاً لذلك.
ومع الإعراب الكامل عن ذلك الإفصاح، أود تفسير المنطق الكامن وراء هذا التنبؤ غير الجريء.
منذ البداية المبكرة، كنت من بين المشككين في نجاح الخروج البريطاني بالكامل. وكان المفهوم وراء ذلك وبكل بساطة ساذجاً ومدمراً للغاية، بحيث إن التوقعات المعقولة هي أن العقول الهادئة سوف تسود في النهاية. غير أن هذا الافتراض يتسم بالتواضع الشديد، ولم يتوقع أن تتسبب الحكومة البريطانية في تفاقم الأوضاع السيئة بالفعل.
ويبدو أن هناك طرقاً عدة يمكن أن تؤدي، وربما سوف تؤدي فعلاً، إلى انهيار «بريكست»، وهي على النحو التالي وفق الاحتمالات المتوقعة (مع الإقرار بأن بعضاً أو جميع هذه الاحتمالات ممكنة):
1 - عدم القيام بأي شيء.
2 - إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة التي تسفر عن خسارة تيريزا ماي.
3 - إجراء استفتاء جديد.
4 - تعقيد الأوضاع من جانب آيرلندا واسكوتلندا.
5 - أوروبا تجعل الأمر برمته مستحيلاً.
وفيما يلي نظرة سريعة على كل بند منها.
- عدم القيام بأي شيء: هناك قواعد معينة ضمن المادة 50 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي تحدد كيفية الخروج الطوعي للأعضاء من الاتحاد الأوروبي. سوف تفقد المملكة المتحدة العضوية في كل من الاتحاد المشترك واتفاقية الجمارك؛ ويجري اقتراح التفاوض بشأن مجموعة من المعاهدات والقواعد البديلة، التي سوف تستلزم التصديق عليها من جانب الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. والجانب الاقتصادي الرئيسي في الأمر يتعلق بأن كافة مميزات معاهدات الاتحاد الأوروبي التي تغطي العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء سوف يجري استبدال معاهدات أخرى بها أقل تفضيلاً من سابقتها. فمقدار الضرر الذي يمثله هذا الأمر لا يزال بين موضوعات النقاش الساخنة بين كافة الأطراف المعنية. وخلاصة القول في هذا الصدد تفيد بأنه إن حصل الجانب البريطاني على اتفاقية الانسحاب الكامل، أو حتى الاتفاق الانتقالي المؤقت، فمن المرجح ألا يكون مفيداً للمملكة المتحدة بأكثر من استمرار عضويتها لدى الاتحاد الأوروبي.
-- إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة: ما الذي يمكنه عرقلة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي غير ذلك؟ وماذا عن المزيد من أعضاء مجلس الوزراء البريطاني الذين يؤيدون البقاء في الاتحاد الأوروبي؟ ثم تكون لدينا قضية شعبية رئيسة الحكومة ماي: فقبل عام من الآن كانت تبدو للبعض مثل المرأة المتوفاة التي تسير على قدمين. ولا تتعافى شعبيتها إلا في أوساط ودوائر حزب المحافظين فحسب، لكن استطلاعات الرأي العامة بشأنها لا تزال متدنية للغاية، ولسوف ترقى الخسارة الانتخابية إلى مستوى العصف الكامل بكل الإنجازات التي تحاول إقناع نفسها بتحقيقها.
-- إجراء استفتاء جديد: لقد تلقن الشعب البريطاني الكثير من الدروس منذ التصويت على الاستفتاء الأول. ونحو نصف الناخبين البريطانيين يؤيدون إجراء استفتاء جديد (ويمكنكم تخمين أي نصف أقصد!)، في خضم حفنة من الدعوات إلى إجراء استفتاء جديد على «بريكست». وكشف قرع طبول الإعلام الثابت مؤخراً عن قدر التضليل والمعلومات المزيفة التي تعرض وخضع لها الناخبون البريطانيون في الآونة الأخيرة. ويرغب روبرت ميرسر، الملياردير اليميني المتطرف، والقطب السابق لصندوق التحوط «رينيسانس تكنولوجيز»، والداعم الأول لمؤسسة البيانات السياسية «كامبريدج أناليتيكا»، في أن يجلب القدر نفسه من الاستياء الجماهيري إلى المملكة المتحدة مثل الذي أثاره في الولايات المتحدة من قبل. ووصفت صحيفة «الغارديان» البريطانية الأمر بقولها: «اختطاف الديمقراطية البريطانية».
-- تعقيدات آيرلندا واسكوتلندا: في عام 2014، صوتت اسكوتلندا ضد الاستقلال عن المملكة المتحدة بنسبة بلغت 55 في المائة مقابل 45 في المائة. وجاء الاستفتاء على «بريكست» بمثابة صدمة كبيرة إلى الشعب الاسكوتلندي الذي صوّت بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي. ومما زاد من تعقيد الأوضاع كانت التقارير الإخبارية التي تفيد بأن آيرلندا الشمالية سوف تحصل على تصريح بالبقاء ضمن السوق الموحدة. وتسوية مثل هذه المشكلات يجعل القضية بأسرها مثيرة للمزيد من المعضلات بالنسبة إلى إنجلترا.
-- أوروبا تجعل الأمر برمته مستحيلاً: لا أرى من سبب وجيه يجعل الاتحاد الأوروبي يفعل أي شيء سوى أن يكون الأمر عسيراً ومرهقاً على بريطانيا بقدر الإمكان؛ إذ تشير نظرية اللعب السياسي الأساسية على أن مصالح واهتمامات الاتحاد الأوروبي تسير في الاتجاه المعاكس لبريطانيا تماماً، وتجعل من الخروج من عضوية الاتحاد فائقة الصعوبة لتثبيط رغبات الدول الأخرى في التفكير في المغادرة. وليس هناك من سبب واضح يجعل الاتحاد الأوروبي يغير من توجهاته، أو يعكس مساره في هذا الصدد.
وأشار مايكل بلومبيرغ، مالك شبكة «بلومبيرغ» الإخبارية، إلى خيار قبول الصفقة السيئة، أو الاعتراف بأن الخروج البريطاني كان خطأً في المقام الأول. والاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه من كل ما تقدم، هو أن زعماء المملكة المتحدة في حاجة ماسة إلى اتخاذ القرار الصارم المسؤول والبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي بعد كل شيء.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
