مشروعٌ ليس خفياً

مشروعٌ ليس خفياً

الأحد - 7 شعبان 1439 هـ - 22 أبريل 2018 مـ رقم العدد [14390]
عبدالله بن بجاد العتيبي
كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة

الشرق الأوسط تتسارع أحداثه وتتكثف تحالفاته ويتعرض لإعادة الخلق والتشكل من جديد، وهو أمرٌ ربما كان معتاداً فيما مضى، ولكنه يأخذ اليوم تصاعداً بعدما أصبحت ملفاته مرتكزاً رئيسياً لحرب باردة جديدة بدأت بالفعل ويمكن رصدها بسهولة.
المملكة العربية السعودية الجديدة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان تقع في قلب كل هذه الأحداث وتؤثر فيها وتتأثر بها، وما يجري اليوم هو نتيجة أحداثٍ ممتدة لعقودٍ من الزمن كانت بين شدٍ وجذبٍ مستمرين، ولكن السعودية الجديدة هي السعودية القوية التي تسفر عن قوتها بكافة الأشكال وتعبر عن مكانتها وحقوقها بكافة السبل والوسائل، وتدافع عن حقوقها - دولة وشعباً - وعن حقوق الشعوب والدول العربية والإسلامية بشكلٍ لا يحتمل الجدل.
سجل ولي العهد السعودي زيارة تاريخية بكل المقاييس للحلفاء التقليديين لبلاده عربياً وأوروبياً وأميركياً، لمصر وبريطانيا وأميركا وفرنسا وإسبانيا، عززت التحالفات القديمة وأرست دعائمها على كافة المستويات، وكان الحاضر الأكبر فيها مصلحة السعودية وحلفائها في دول الخليج والدول العربية والإسلامية.
ما كاد ولي العهد يرجع من زيارته إلا وكان الملك سلمان بن عبد العزيز يستقبل ضيوف القمة العربية في الظهران في المنطقة الشرقية، في قمة سماها الملك «قمة القدس» نظراً لمكانة القدس والدعم السعودي التاريخي لها منذ الملك المؤسس إلى أبنائه الملوك و«مشروع فهد» مروراً بالمبادرة السعودية التي أصبحت مبادرة عربية بعد تبني الجامعة العربية لها وصولاً للدعم اللامحدود الذي تقدمه السعودية للقضية الفلسطينية سياسياً ودبلوماسياً ومعنوياً ومادياً بشكل دائم ومستمرٍ، وقد أثبتت قمة الظهران أمرين مهمين: أن السعودية لا تساوم أبداً على القضية الفلسطينية ولا تستغلها لأغراضٍ خاصة، وأن السعودية ستفضح كل المتاجرين بالقضية لأهدافهم الخاصة سواء كان ذلك في المشروع الطائفي الإيراني أم في المشروع الأصولي التركي، أم في الدولة الخليجية الداعمة للمشروعين قطر أم في جماعة الإخوان المسلمين وكل جماعات الإسلام السياسي.
بعد قمة الظهران بيومٍ واحدٍ، شهد الملك سلمان وضيوفه من قادة وممثلي الدول العربية والدول الإسلامية المناورة العسكرية الأكبر في تاريخ المنطقة تلك التي استمرت على مدى شهرٍ كاملٍ وتظهر بجلاء مدى قوة التطور العسكري الذي وصلت إليه السعودية والذي لم يزل في طور البناء والتشييد والتطوير والتعزيز، ويمكن قراءة نتائجه باستمرار المتابعة ورصد الأحداث والتنبؤ بالمستقبل.
يسير بالتوازي مع هذا كله الانفتاح المتعقل تجاه دولٍ عربية ظنت إيران أنها أصبحت تبعاً لها بالكامل، في العراق ولبنان، والتصدي الشرس في اليمن، والتوازن السياسي في سوريا التي باتت قضية دولية ولم تعد إقليمية فحسب، مع بناء قضايا دولية محكمة ضد الخصوم، في ملف اليمن وسوريا، ضد الميليشيات الإيرانية والدول الخاضعة لإيران والدول الطامعة في المنطقة.
مع تضييق الخناق على ميليشيات الحوثي في اليمن، في كل الجبهات المفتوحة على الأرض، ومع تأكيد ولي العهد أن الجيش الوطني والمقاومة الشعبية وتحالف دعم الشرعية أصبحوا أقرب من أي وقتٍ مضى من صنعاء العاصمة وأن التأني سببه أن السعودية تمثل الصديق المنقذ لا العدو الغاشم، ومع تصريح المتحدث باسم التحالف العقيد تركي المالكي بأن رد السعودية على الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تطلقها ميليشيا الحوثي على السعودية سيكون «قاسياً وقوياً وموجعاً» فإن ذلك دليلٌ على أن صبر السعودية بدأ ينفد، وأنها قد تتجه لصد العدوان على حدودها وأمنها وأمانها بطريقة غير مسبوقة ستعجل بإنهاء الصراع هناك بأسرع مما يتصور الخصوم.
المشروع الأصولي الإخواني التركي القطري لا يقل خطراً بأي حالٍ عن المشروع الطائفي الإرهابي الإيراني، وهو ما سبق إيضاحه في هذه المساحة مراراً، ولكن أن يتحوّل هذا المشروع إلى مشروع احتلالٍ في سوريا فذلك أمرٌ آخر، وأن يسعى القادة هناك لتحويله إلى استعمارٍ دموي ومشروعٍ انتخابي يضمن مستقبلاً سياسيا طويلاً لبناة التناقضات فذلك أمرٌ مضرٌ بكل التوازنات، مهما كان حجم الشعارات أو التشغيب السياسي.
المصابون بجنون العظمة أو إحدى درجاته غالباً ما يقعون في الزلل والخطل، ويرتكبون الخطايا السياسية مرة تلو أخرى دون شعورٍ بحجم الضرر الذي يجلبونه لدولهم.. كان معمر القذافي نموذجاً لمثل هذه الحالات وقبله كان صدام حسين، والمشروع الأصولي الإخواني يقدم أمثلة أخرى في المنطقة والخليج.
كان الأمر واضحاً في تركيا، وهو يزداد بروزاً مع اقتراب الحلم بالاستحواذ على السلطة بشكلٍ غير مسبوقٍ، ومن هنا جاءت التناقضات المستمرة في التصريحات والشعارات والخطب السياسية، وقد بلغ الأمر ذروته بعد دخول القصر الذي بني بتكلفة تجاوزت الثلاثة مليارات دولار، ولا ينسى كاتب هذه السطور أول زيارة رسمية لضيفٍ سياسي في القصر الجديد والتقاط الصور وقد رصف على جانبي الخلفية جنودٌ من مراحل مختلفة من التاريخ التركي بملابس كل فترة زمنية، ورغم الاختلاف السياسي مع توجهات كتلك إلا أن الظن ذهب لأول وهلة أنها صورٌ مفبركة مقصود بها الإساءة، ولكن مقطع الفيديو الذي انتشر بعد ذلك كان قاطعاً لأي شكٍ.
بقيادة السعودية والإمارات ومصر والبحرين، فإن الدول العربية تستعيد قياداتها وريادتها، والجامعة العربية تستعيد شيئا من بريقها، إننا بإزاء مرحلة جديدة في المنطقة، ترمي خلفها ظهرياً كل التوازنات القديمة، وتبني مستقبلاً أكثر إشراقاً وتميزاً، فقد أصبحت الأحلام الناضجة والآمال الشابة والأماني العراض محل تحقيقٍ وتنفيذٍ وبناء، في الوقت الذي أصبحت فيه خطابات الماضي العروبية والناصرية واليسارية والإخوانية محل تندرٍ وسخرية.
لا مكان في الدول العربية لخليفة إخواني أو عثماني أو داعشي، ولا لمستعمرٍ فارسي أو تركيٍ، لقد طرد الجميع شرّ طردة في التاريخ القديم والحديث، وهو ما يتم اليوم على ذات الطراز ونفس المبدأ.
تبدو تركيا مثل إيران، قليلة المعرفة بالتاريخ الحديث للمنطقة، وإلا فإن باشوات العثمانيين في العالم العربي لا يسمون إلا بالسفاحين والمجرمين والقتلة، هذه حقيقة تاريخية يجب ألا يغفل عنها أحدٌ، وحين تنقل رويترز عن سيرغي ريباكوف نائب وزير الخارجية الروسي قوله: «لا نعرف كيف سيتطور الوضع فيما يتعلق بمسألة إن كان من الممكن أن تبقى سوريا دولة موحدة» فإن في ذلك ما يوضح الكثير.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو