دستور اليابان... بين الماضي والمستقبل

دستور اليابان... بين الماضي والمستقبل

الثلاثاء - 25 رجب 1439 هـ - 10 أبريل 2018 مـ رقم العدد [14378]
مينا العريبي
مساعدة رئيس التحرير السابقة، عملت مديرة مكتب «الشرق الأوسط» في واشنطن بين عامي 2009- 2011 وهي الان رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية
«في تطلعهم بإخلاص للسلام العالمي المبني على العدل والنظام، يشجب اليابانيون الحرب، وإلى الأبد، كحق سيادي للأمة، والتهديد أو استخدام القوة كأداة لحل النزاعات الدولية. ومن أجل تحقيق هدف الفقرة السابقة، لن تُستدام القوات البرية، والبحرية، والجوية، فضلاً عن إمكانات الحرب الأخرى. ولا يعترف بحق الدولة بإعلان حالة الحرب».
هذه العبارة تشكل المادة 9 من الدستور الياباني الذي تم الاتفاق عليه عام 1946 عقب الحرب العالمية الثانية، ومع قبول اليابان الهزيمة التامة حينها. كانت هذه العبارة تهدف إلى فتح صفحة جديدة في مسيرة اليابان العريقة وأن تؤكد للعالم عدم رغبتها في خوض حروب جديدة. التطلع كان للابتعاد عن الحرب والتوجه إلى بناء الدولة. وتعتبر المادة 9 مصدر فخر لليابان التي استطاعت أن تعيش في سلام لأكثر من سبعة عقود.
ولكن طوكيو تواجه اليوم تهديداً من كوريا الشمالية، التي تجرب صواريخها الباليستية بالقرب من اليابان، وأحياناً فوق سمائها. ويعتبر رئيس الوزراء الحالي شينزو آبي أن الوقت قد حان لمراجعة هذه المادة، وتعديلها. ولكن حتى الآن، تبقى الغالبية في اليابان ضد هذا الطرح. وفي زيارة إلى اليابان الشهر الماضي، استمعت إلى عدد من اليابانيين وهم يناقشون هذه القضية؛ فبينما يحذر الجيل الأكبر الذي عانى من تبعات الحرب، من تعديل الدستور ويخشى الابتعاد عن مبدأ السلم وعدم إمكانية إعلان الحرب، هناك فئة من الشباب والصقور تعتبر أن على اليابان تطوير جيشها لضمان سلمها. وهناك نظريتان؛ الأولى تقول إن عدم وجود جيش للبلاد يعني أنه من المستحيل أن تدخل مواجهة مسلحة، وأن أي تعديل للدستور قد يشكل حافزاً لكوريا الشمالية لمهاجمة اليابان. أما الثانية فتستند إلى ضرورة إبراز القوة لردع أي عدو، مما يستدعي بناء قوات مسلحة. ما زالت القضية حساسة إلى درجة أنها لم تطرح بصورة رسمية للاستفتاء ومن غير المعروف إن كانت ستطرح أصلاً.
هناك عامل أساسي يدفع اليابان للتفكير باتخاذ احترازات لضمان أمنها، ما عدا التهديد الكوري الشمالي. وهذا العامل ناتج عن المخاوف من تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها مع حلفائها، مما جعل دولاً مثل اليابان تفكر في الإجراءات الضرورية لتأمين سلامتها بعيداً عن الاعتماد على الدور الأميركي. وعلى الرغم من تمركز نحو 50 ألف جندي أميركي في اليابان، وهو أكبر عدد للقوات الأميركية في أي دولة أخرى، فإن هذا الوجود مبني على إبقاء واشنطن على التزامها بأمن المنطقة. كما أن العلاقات بين الجيش الأميركي ومضيفها الياباني توترت قبل عامين بسبب اعتقال جندي أميركي لقيادته سيارة وهو ثمل وحتى الآن تواجه بعض التشنجات.
ويسعى رئيس الوزراء الياباني آبي إلى تهدئة الأوضاع والحصول على ضمانات أميركية جديدة خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأسبوع المقبل. وبالطبع ستكون قضية كوريا الشمالية على طاولة النقاش مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالإضافة إلى أن آبي سيسعى إلى الحصول على التزامات أميركية بضمان أمن اليابان ومنطقة المحيط الهادئ إجمالاً.
ومع اقتراب القمة المرتقبة بين الرئيس ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، تشعر اليابان بقلق من أي اتفاق بين واشنطن وبيونغ يانغ قد يقلل من الضغط على الأخيرة دون ضمانات ملموسة لتحجيم الخطر الكوري الشمالي. وبناء على بيان من البيت الأبيض، فلقاء ترمب وآبي المزمع عقده في منتجع «مارا - لاغو» بفلوريدا يومي 17 و18 أبريل (نيسان) الحالي سيتناول الاجتماع المزمع بين ترمب وكيم، بالإضافة إلى «التحالف الأميركي - الياباني كحجر أساس للسلم والاستقرار والازدهار» في منطقة المحيط الهادئ.
مراقبة النقاش الجاري في اليابان حول دور القوات المسلحة والاعتماد على الدور الأميركي من منظور عربي يعطي بعداً مختلفاً. فقبول اليابان بالهزيمة في الحرب العالمية الثانية، والاعتماد على القوة الأميركية لضمان الأمن العسكري والتركيز على التعليم والعمل، بالإضافة إلى تبني الحداثة مع احترام التقاليد والتاريخ، أعطت اليابان فرصة نادرة في التطور بعد الهزيمة. وتزامناً مع مرور 15 عاماً على إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين على يد الأميركيين والنظر إلى ما حل بالعراق، نرى الفرق شاسعاً، إلى درجة يصبح من الصعب المقارنة. فأولاً، رجال النظام السابق ومؤيدوه في العراق ما زالوا يرفضون الاعتراف بالخطأ أو بالهزيمة، كما أن التركيز على توفير فرص العمل والارتقاء بالتعليم لم ينالا حظهما من الاهتمام والرعاية في العهد الجديد. أما آفة الفساد في العراق فتعرقل أي جهود جدية لإخراجه من دوامة الأزمات على أصعدة مختلفة، بما في ذلك الصعيد الأمني والاقتصادي والسياسي. ومن اللافت أن اليابان تلعب دوراً في العراق، إذ كان قد ساهمت في التحالف الدولي الذي اجتاح العراق. وتمركزت القوات اليابانية في السماوة واستطاعت أن تهدئ الوضع فيها دون انتشار أي مجموعات مسلحة خلال وجودها هناك.
الروابط التي تجمع العراق واليابان ليست بارزة ولكن مع التمعن في تجربة البلدين وبخاصة الدور الأميركي فيهما، تظهر دروس يمكن للعراق ودول أخرى التعلم منها. وعلى رأسها أهمية الاستفادة من التقدم التقني مع المحافظة على التقاليد والإرث الخاص في كل دولة. كما أن اليابان ابتعدت عن عسكرة المجتمع لعقود بعد هزيمتها، بينما فرضت الظروف على العراق أن يتجه نحو عسكرة المجتمع وإعطاء الدور الأبرز للسلاح.
وقد زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي طوكيو الأسبوع الماضي لحضور مؤتمر لدعم الإعمار في العراق. وشكلت الزيارة فرصة للمقارنة بين البلدين، والتقريب بينهما. واتفق العبادي مع آبي على تحفيز الشركات اليابانية للاستثمار في العراق، بما في ذلك مشاريع لاستثمار الغاز المصاحب ودعم الزراعة. وهذه الاتفاقات تأتي ضمن النهج الياباني للعب دور فعال على الصعيد الدولي، من دون التدخل القتالي في البلاد. ولكن مع نزوع الخلافات الدولية إلى الحل العسكري، هل ستكون مثل هذه الخطوات كافية لتواصل اليابان مسيرتها على الصعيد الدولي من دون جيش؟ يبقى هذا السؤال أمام القادة اليابانيين، بينما يتطلع العالم إلى إمكانية بقاء دولة مؤثرة مثل اليابان دون جيش وطني قوي.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة