د. شملان يوسف العيسى
كاتب كويتي
TT

مقاييس سعادة الشعوب

نشر موقع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) يوم 15 مارس (آذار) الماضي، دراسة متميزة شملت 156 دولة، وطرحت أسئلة على 1000 شخص من هذه البلدان.
كما قامت الدراسة ولأول مرة بقياس مدى سعادة المهاجرين والوافدين في كل بلد. الدراسة التي ساهمت بها الأمم المتحدة، تقيس مدى سعادة الشعوب والمقيمين.
وجاءت نتائج الدراسة لتفيد بأن أكثر الشعوب سعادةً في العالم هي الدول الإسكندنافية، وأقلها سعادة هي الدول الأفريقية جنوب الصحراء، وتحديداً دولة بوروندي في وسط أفريقيا... واستعرض التقرير الامتيازات التي تقدمها هذه الدول لشعوبها وأهم صادرات هذه الدول بما فيها أفلام الكارتون للأطفال. وتحدث التقرير عن المجتمع الفنلندي وما توفره الدولة من إمكانات لرعاية المواطنين والمقيمين فيها مثل المواصلات والتعليم والصحة والخدمات وغيرها.
وكان ترتيب الدول الخمس الأكثر سعادة: فنلندا، والنرويج، والدنمارك، وآيسلندا، وسويسرا. والغريب أن بريطانيا جاء ترتيبها في المركز الـ19، بينما جاء ترتيب الولايات المتحدة في المركز الـ18، وجاء ترتيب الدول كالتالي: الأولى فنلندا، والثانية النرويج، والثالثة الدنمارك، والرابعة آيسلندا، والخامسة سويسرا، والسادسة هولندا، والسابعة كندا، والثامنة نيوزيلندا، والتاسعة السويد، والعاشرة أستراليا. أما أقل الدول سعادة فهي: مالاوي (147)، وهايتي (148)، وليبيريا (149)، ورواندا (151)، واليمن (152)، وتنزانيا (153)، وجنوب السودان (154)، وجمهورية وسط أفريقيا (155)، وبوروندي (156).
ما يهمنا هنا هو ما المعايير والأسس التي اختارها الـ1000 شخص من 156 دولة لقياس السعادة في أي دولة. جاءت الإجابة كالتالي: أولاً قوة الاقتصاد، ويشمل ذلك دخل كل دولة ومتوسط دخل الفرد. وأتى الدعم الاجتماعي الذي تقدمه الدولة ثانياً، ومقياس عمر الفرد وحرية الاختيار والكرم، وأخيراً محاربة الفساد.
قد تتساءل أيها القارئ الكريم: لماذا الاهتمام بمقياس السعادة في كل دول العالم؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى العالم العربي بشكل عام والخليج بشكل خاص؟
الملاحظة الأولى عند قراءة التقرير هي أنه لا يوجد أي بلد عربي في قائمة الدول المتقدمة في معيار السعادة، بينما توجد دولتان عربيتان في ترتيب الدول الأكثر تعاسة هما اليمن وجنوب السودان.
التساؤل الثاني الذي نود طرحه: لماذا لم تُدرَج أي دولة عربية خليجية في المستويات العليا في مقياس السعادة، مع أن المواطنين والمقيمين لا يدفعون ضرائب على الدخل، بل يدفعون رسوماً متدنية على ما يتم استيراده من الخارج، كما أن المواطنين في دول الخليج يتمتعون بالخدمات التي تقدمها الدولة الريعية من النفط، فالتعليم والصحة وخدمات الطرق وغيرها كلها تدفعها الدولة...؟ إذن ما مبرر عدم السعادة، علماً بأن الدول التي حصلت على المراتب الأولى في مقياس السعادة تعمل شعوبها وتدفع ضرائب عالية وهي مرتاحة من دفع الضرائب...؟ لأنه يحق لهم محاسبة المسؤولين عن كل جنيه أو دولار يتم دفعه. معنى ذلك ببساطة أنه لا علاقة بين دفع الرسوم والضرائب والتمتع بالسعادة في أي بلد، فالشعوب المتحضرة والراقية لديها الاستعداد للعمل ودفع الضرائب والرسوم ما دامت الحكومة مهمتها مراعاة مصالح الشعب.
ما يهمنا في الخليج، ونحن مقبلون على نظام الضرائب، هو أن المواطن قد يكون مستعداً لدفع الضريبة إذا شعر بأن حكومته مسؤولة مسؤولية تامة عن كيفية إنفاق أمواله ولا تهدرها في شراء الولاءات السياسية وإرضاء الشعب على حساب مصالح الدولة الوطنية. الكرم الحكومي للدول لا يؤدي إلى سعادة شعوبها، فالدول الإسكندنافية توجد فيها ضرائب تعد من أعلى الدول في العالم ومع ذلك جاءت نسبة السعادة فيها في المقدمة.
لقد أعجبني التقرير لأنه لا يقيس فقط سعادة المواطنين بل المهاجرين أيضاً في كل بلد، وكانت النتائج بالنسبة إلى رضا الوافدين والمهاجرين مرتفعة لأن الدولة تعاملهم معاملة إنسانية راقية، فهم يدفعون الضرائب والرسوم مثل غيرهم من المواطنين وتقدم الدولة لهم التعليم الحكومي المجاني كما تقدم خدمات الصحة وغيرها... والهدف من ذلك واضح، وهو إذا أرضيتَ وعاملتَ الوافدين أو المهاجرين معاملة إنسانية فهم حتماً سيزيدون من عطائهم وإنتاجيتهم. فسعادة المواطنين لا تأتي على حساب الوافدين، والدول التي يكون فيها الوافد مرتاحاً وسعيداً سينعكس على أدائه في الدولة التي يعمل فيها.