الزهاوي في مقهى الزهاوي

الزهاوي في مقهى الزهاوي

الجمعة - 22 جمادى الآخرة 1439 هـ - 09 مارس 2018 مـ رقم العدد [14346]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
نحن نعرف جميل صدقي الزهاوي شاعراً وفيلسوفاً وعالِماً، ولكن قلما نعرفه ظريفاً منكِّتاً. دعاه يوماً رئيس الوزراء، نوري السعيد، للالتقاء به. فسأله: أين؟ أجابه: في مقهى أمين. التقيا هناك. لم يكن في المقهى من متاع الدنيا غير بضعة تخوت وكراسي قديمة وفونوغراف قديم. ومع ذلك، أعجب الزهاوي به فاتخذه مقاماً له سرعان ما سُمِّي باسمه ليومنا هذا: «مقهى الزهاوي».
وسرعان ما تحوَّل إلى وكر للأدباء. كان بينهم معروف الرصافي الذي انطلق في إنشاد قصيدة طويلة. تضايق الزهاوي منها ومن صاحبها. وكان بينهما ما صَنَع الحداد. جلس الزهاوي يتربص لفكرة يعمل بها مقلباً لصاحبه، أو بالأحرى غريمه الرصافي، حتى ظهر صبي يبيع الفستق. فقاطع الزهاوي زميله متوجهاً إلى البياع: «يا ولد عندك قميص شبابي على مقاسي»؟ استغرق الحاضرون بالضحك، وضاعت القصيدة على الرصافي؛ فخرج غاضباً. وعندئذ تربّع الزهاوي في جلسته، ونَصَّب من نفسه أميراً على المقهى وتخلص من غريمه.
ذهب الرصافي، وإذا بمحله يأخذه محمد مهدي الجواهري، الشاعر الشاب عندئذ. انطلق هذا يتلو شيئاً من شعره هو الآخر حتى قاطعه الفيلسوف الكبير. «أفندم تتراهن»؟ استغرب الجواهري الشاب من السؤال. أعاد الكرّة. «نتراهن على أي شيء أستاذ»؟ «على أن أقطع نفسي وأنت تقطع نفسك! دعنا نشوف من فينا يخلص نفسه بالأول؟!».
كانت لعبة مما يلهو به الأطفال. ولكن الجواهري لم يشأ أن يعترض على سيده في السبعين من عمره؛ فأمسك بأنفه وقطع نفسه... وفعل مثله الزهاوي. بعد برهة من الوقت استسلم الجواهري: «يا أستاذنا كفاية»، فكسب الزهاوي الرهان وحق على الجواهري أن يدفع عنه أجرة المقهى، «أربعة فلوس». أيام خير! والفلوس كانت فلوساً.
يقول المثل الشائع: «ديكين على مزبلة واحدة ما يعيشون». كان الأفضل لصاحب المثل أن يقول: «شاعران في مقهى واحد لا يعيشان».
بيد أن الزهاوي لم يكن بخيلاً في الواقع، أو حريصاً على أجرة المقهى وقدح الشاي... بل كان المعتاد له عندما يهم بالانصراف أن ينادي على الخادم ويدفع عن الجالسين ممن يحبهم، ولكن يستثني من لا يحبهم أو من أغضبوه في الجلسة أو قاطعوه في الكلام.
هكذا كان مقهى الزهاوي في شارع الشرطة، واحةً من واحات الفكر ارتبط بأسماء مشاهير تلك الحقبة. انضمّ إليهم يوماً عبد القادر المميز صاحب جريدة «أبو حمد»، فاستقبله الزهاوي بهذين البيتين:
قد جاءنا أبو حمد
يمشي كمِشيةِ الأسد
قد طابت القهوة لي
صبّ يا ولد... صب يا ولد
وهناك كان ينفث أفكاره الفلسفية في شتى العلوم، لا سيما عن نظريته في الجاذبية التي نشر فيها كتاباً صغيراً. وكتب الكثير عن نظرية التطور والداروينية وأصل الإنسان ونحوها. وفيما كان يوماً محلِّقاً بأفكاره، اقتحم المقهى رجل غاضب توجه إليه فوراً: أتنكر خلقة الخالق وتقول الإنسان أصله قرد! يعني أبويا كان قرد! فأمسك الزهاوي بذقنه وأجابه: «لا ابني! أنا ما قلت أبوك كان قرد. لكن أنا أبويا كان قرد»!

التعليقات

عادل
09/03/2018 - 05:40

جاء تلميذ الى ابيه و قال له : بابا بابا لقد برهن لنا استاذ الاحياء ان ابا الانسان كان قردا, فقل الاب: اسكت اذا كان ابوك قرد فأبي ليس قرد .

فؤاد امين المميز
البلد: 
United States
09/03/2018 - 12:21

المقاهي البغدادية القديمة ومن كان يرتادها مذكورة في كتاب والدي المرحوم امين المميز بغداد كما عرفتها

حسام الدين النجار
10/03/2018 - 07:26

رحم الله والدك الاستاذ أمين المميز فقد وثق تاريخ بغداد القريب بشكل مميز فهو اسم على مسمى

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
09/03/2018 - 14:59

رجال وعقلاء وشعراء وأدباء وفلاسفة وكانو في الوقت نفسه غاية في الطيبة والوداعة والقيم الجميلة واصحاب مشاكسة بريئة وباخلاق عالية ذلك الزمن الذي لايعوض

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة