كولبرت كينغ
TT

بعض الحطام في سوريا من صنع أيدينا

«مات وهو جوعان. لم يأكل شيئاً. على الأقل سيجد طعاماً في الجنة»، بهذه العبارة، أوجزت أم مكلومة المأساة التي عايشتها في منطقة نائية تُدعى الغوطة الشرقية داخل سوريا. وانتحبت على ولدها، فلم يكن بوسعها فعل أكثر من ذلك. ولم يكن باستطاعتها توفير طعام لولدها. في عالم يهدر من الطعام بقدر ما يستهلك تقريباً، لقي طفل صغير يعيش في قرية دمرها القصف على بُعد 20 دقيقة من العاصمة السورية دمشق، حتفه جوعاً. وربما تقول في نفسك: «لكن هذه سوريا، بقعة أخرى في الشرق الأوسط حيث يقاتل الناس بعضهم بعضاً ويموتون طيلة الوقت، وتتساقط القنابل مثل المطر من السماء وربما لا يجدون أماكن لدفن موتاهم. ما علاقة هذا بنا؟ لدينا ما يكفينا داخل بلداننا».
في الواقع، أنت مخطئ. لدينا الكثير لنقلق بشأنه في هذا الصدد. ومع أن الميليشيات المسلحة لا تجوب شوارعنا مثلما تفعل في سوريا، ولا نعيش في خوف تحت وطأة الصواريخ والنابالم والأسلحة الكيماوية التي تتساقط فوق رؤوسنا، ولا نعاني نقصاً في الأطعمة والأدوية، ولا نضطر إلى الحفر في الركام للعثور على أطفالنا أو أمهاتنا أو جيراننا، تظل الحقيقة أن الناس يموتون هنا أيضاً قبل الأوان.
يموتون في المدارس ودور السينما والحفلات الموسيقية، ويموتون في الشوارع والأزقة، لكنهم لا يموتون على أيدي أشخاص مسلحين بقنابل يدوية أو يرتدون أحزمة متفجرة، وإنما على أيدي مسلحين بمسدسات ورشاشات وسكاكين ومخدرات.
ولذلك، فإن ثمة الكثير يستدعي أن نقلق بشأنه، مثل كيفية سداد إيجار المسكن الشهر المقبل، ونتائج التحاليل الطبية، والسخرية التي قد نتعرض لها، والهجران، والمنازل الخاوية.
أما المكان الوحيد الخالي من المشكلات، فهو ذلك المكان الذي لا يعيش فيه أحد، مثلما قال أحد أساتذتي من قبل.
ودعوني أعود إلى الطفل الصغير في الغوطة، الذي لم يرتكب أي جرم في حق أي شخص، فقد كان بريئاً لدرجة تجعله غير مدرك للكراهية، وصغيراً لدرجة تجعله عاجزاً عن إلحاق الأذى بأي شخص آخر، وضعيفاً لدرجة جعلته عاجزاً عن المضي قدماً في الحياة. وقالت أمه باكية: «لقد مات جوعاناً».
وقالت الأم هذه العبارة في بلد أغدقت عليه الولايات المتحدة مساعدات إنسانية تتجاوز قيمتها 7.7 مليار دولار، بجانب مئات الملايين في صورة مساعدات مباشرة للمعارضة السورية. وسواء كانت تعي الأم ذلك أم لا، فإنها اليوم تتشارك في وطنها مع 2000 جندي أميركي.
وعليه، فإن ما يحدث لها ولبلدتها المدمرة، الغوطة الشرقية، ولفلذة كبدها الذي وارته التراب، ثمة علاقة تربطه بنا.
لقد طالبنا هنا في واشنطن بتخلي الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة. وهنا في واشنطن، تحت قيادة الرئيس باراك أوباما، دفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بقوات على الأرض عام 2013، لتدريب قوات سورية معتدلة مناوئة للأسد، لكن سرعان ما جرى سحبها - الأمر الذي أبهج روسيا التي طالبت بذلك - من جانب الرئيس ترمب. وقد تعرض البرنامج الذي أقره أوباما لانتقادات واسعة باعتباره يفتقر إلى الفاعلية، لكنّ أحداً لم يرغب في وضع نهاية له أكثر عن فلاديمير بوتين.
من جانبهم، أكد مسؤولون أميركيون منذ وقت قريب أنهم يخططون للاستمرار في السيطرة على قرابة 28% من الأراضي السورية، بالتشارك مع القوات السورية الديمقراطية التي يقودها أكراد. من ناحيته، نوه جوناثان سباير في مجلة «فورين بوليسي» بأن «هذه الخطط تتعارض على نحو متزايد مع الأخرى الخاصة بالعناصر الدولية الكبرى المشاركة في هذا البلد الذي مزّقته الحروب». ولا تزال المذابح مستمرة.
وعليه، فإنه عندما تجد أخبار الهجمات الدموية التي تقع في أقصى أطراف الشرق الأوسط طريقها نحو نشرة الأخبار اليومية، فلا تتجه بأنظارك نحو قناة أخرى. وتأكد من أننا لسنا متفرجين، وإنما بعض هذا الحطام يخصنا، كما أن ذلك الطفل الصغير يخصنا أيضاً.
* خدمة «واشنطن بوست»