أنا ومن بعدي الطوفان

أنا ومن بعدي الطوفان

الثلاثاء - 28 جمادى الأولى 1439 هـ - 13 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14322]
قرأت أنه عندما كان جيمس فورستال وزيراً للدفاع في أميركا، تلقى رسالة من أحد المزارعين بولاية نيو إنغلند قال فيها إنه قرأ في إحدى النشرات الزراعية أن الفلاحين المقيمين في المناطق المجاورة لمدينتي هيروشيما ونغازاكي اليابانيتين اكتشفوا أن القنابل الذرية التي ألقيت على المدينتين زادت خصوبة التربة في أراضيهم بعد ذلك.
وقال المزارع الأميركي في رسالته إن أرضه قلّت خصوبتها كثيراً، وإنه لهذا يرجو وزير الدفاع أن يأمر بإلقاء قنبلة ذرية على المزارع المجاورة له، مع إخطاره قبل ذلك بأربع وعشرين ساعة ليبتعد عن المكان.
وضحكت عندما قرأت في أسفل الرسالة الملاحظة التالية:
«أرجو عدم إبلاغ جيراني شيئاً عن هذه المسألة».
وهذا الذي قرأته ذكّرني برجل مهنته السمسرة كصاحب مكتب عقار في جدة، وكان يستمع وقتها إلى حديث يدور عن التهديدات المتبادلة بين كوريا الشمالية وأميركا، بالضرب بالصواريخ النووية.
وفجأة إذا بالسمسار يرفع كفيّه للسماء ويقول: اللهم اجعل كيدهم بينهم. فاستغربت من دعائه، وسألته: هل معنى ذلك أنك تريد نشوب حرب نووية؟!
أجابني دون تردد أن العقار يعاني هذه الأيام كساداً في بلادنا، ولو أن تلك الحرب قد نشبت، واستطاعت كوريا الشمالية أن توجه صواريخها الماحقة لبعض الحقول والمنشآت النفطية الأميركية، فلسوف يكون هناك شح عالمي خانق في البترول، وسترتفع أسعاره ارتفاعاً تصاعدياً هائلاً، وبما أن بلادنا هي أكبر دولة منتجة ومصدرة للبترول، فسوف يتضاعف دخلها عدة مرات، وهذا ما سوف ينعكس إيجاباً على سوق العقار عندنا، وتزداد المبيعات في مكتبي، وسترى الزبائن يصطفون أمامه بالطوابير.
قلت له متهكماً: عدّاك العيب، الحقيقة أنك محلل سياسي واقتصادي لا يشق لك غبار، ولكن ألم تفكر في ملايين البشر الذين سوف يموتون جراء تلك الحرب، والدمار الذي سوف يحصل في تلك البلاد؟!
فقال لي بكل بساطة: لدينا يا مشعل مثل قديم كنا نردده وهو: جرح في رأس غيري مثل شطب بجدار.
جاملته وجاريته في البداية معتقداً أنه يمزح، غير أنني استصبت عندما وجدته يعني فعلاً ما يقول، لهذا توقفت عن مناقشته، وتركته يثرثر دون أن أصغي إليه.
وأخذت أتساءل بيني وبين نفسي: أإلى هذه الدرجة تصل شفاحة الإنسان... إلى الحد الذي من الممكن أن يقول:
أنا ومن بعدي الطوفان؟! إنني لا أطلب منك يا ربي سوى الرحمة.

التعليقات

عادل
13/02/2018 - 04:44

يقول ابو فراس الحمداني : معللتي بالوصل,و الوصل دونه ... اذ مت ظمآنا فلا نزل القطر --بنفسي من الغادين في الحي غادة...هواي لها ذنب و بهجتها عذر .

ابو هيثم
البلد: 
السعودية
13/02/2018 - 07:15

رائع و مبدع الله يحفظك

أنين "بردى"
البلد: 
سوريا
13/02/2018 - 12:49

بغض النظر عن العامل الإنساني (المفقود) ، عجيب كيف يمكن أن يبلغ الجشع بأمثال هذا السمسار "الفطين" إلى حد إغفال احتمال تسبب انفجارات نووية في الشرق الأقصى بزلازل قد تصل إلى بحر العرب و تقلب (لا سمح الله و قدّر) مخزون النفط تحته راساً على عقب !

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
13/02/2018 - 13:42

اعوذ بالله من كلمة انا هناك الكثير ممن يعتنقون هذا المبدأ البشع أنا ومن بعدي الطوفان حتى ولو ابتلع الطوفان أقرب الناس إليهم وكان لويس الخامس عشر يكرر مرارا هذه المقولة الأنانية
وهي في الأصل ثقافة محزنة لواقع مؤسف نعيشه مع أمثال هؤلاء مصلحتهم الشخصية هي الأهم وأكثر من ذلك تحقيق أحلامهم ولو كان الطريق الوحيد لتحقيقها تسلق ظهور الغير أو العبور على جثثهم لا تهمهم أية انواع من الروابط سواء كانت إنسانية او اسرية ولا يهمهم الضمير الذي فقدوه بقناعاتهم وبرضاهم

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة