استقطاب دولي وانفراد أميركي في سوريا

استقطاب دولي وانفراد أميركي في سوريا

الجمعة - 23 جمادى الأولى 1439 هـ - 09 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14318]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية
تكثفت الهجمات الروسية - الأسدية على الغوطة الشرقية وعلى إدلب. ويعمل الإيرانيون عن كثب مع الطرفين على الأرض في المنطقتين. ولا يزال الأتراك غارقين في حرب عفرين، كما لا يزالون مصرّين على التقدم نحو منبج بعد عفرين. بل ويتحدثون أيضاً عن الذهاب بعد منبج إلى الحدود السورية - العراقية؛ وخلال ذلك يستمرون في الحملة على الولايات المتحدة وسياساتها في الملف السوري، أو بالأحرى في دعم أكراد سوريا. ويُلمّح الأتراك إلى أن الأميركيين لا يملكون قواتٍ في منبج، ولذلك فلا مانع من دخولها. ويبدو أن ذلك صحيح، ولذلك فإن الأميركيين ومع بدء الانسحاب من العراق، سيرسلون معظم القوات المنسحبة إلى أفغانستان، لكنهم لن ينسوا إرسال بضع مئات إلى منبج لحرمان الأتراك من التقدم باتجاهها أو يشتبكون معهم إن أصرّوا.
في الأصل؛ وبحسب «آستانة» ومقرراتها؛ فإن مناطق خفض التصعيد الأربع تشمل إدلب كما تشمل الغوطة الشرقية. إنما منذ أكثر من شهرين؛ فإنّ النظام والروس، ومن ورائهما إيران، مصرّون على الاستيلاء على الغوطة الشرقية، كما أنهم مصرّون على الدخول إلى إدلب. وفي منطقة الغوطة، التي قالت الأمم المتحدة؛ إنه، وبخلاف الاتفاقيات؛ منذ ثلاثة أشهر ما أمكن إدخال المساعدات الإنسانية، ولا توقّف القصف العنيف عليها. ويتحجّج النظام بأنّ حملته على الغوطة سببها القصف الذي يصل منها إلى دمشق وجوارها القريب، بينما يقول الثوار إنهم لا يقصفون دمشق إلا بعد الغارات النظامية والروسية على الغوطة ومدنها وقراها. وهم يتابعون أن النظام عاد لاستخدام غاز الكلور في الغوطة للإضرار بالمدنيين بالذات. أمّا في إدلب وجوارها (قرى من حماة ومن غرب حلب) فإنّ الروس والنظام والإيرانيين يذهبون إلى أنهم إنما يقاتلون الإرهاب (جبهة النصرة)، ويضاف إلى ذلك الآن إسقاطهم طائرة السوخوي الروسية. ويتابعون أنه كان من ضمن اتفاقية آستانة بخصوص إدلب، أن تتولى تركيا عمليات الانتشار بالمنطقة، واستيعاب «جبهة النصرة» وحلفائها، وهي لم تقم بذلك. والأتراك يقولون إنهم انتشروا عبر ثلاثة مراكز، وسيتابعون الانتشار؛ دونما تحديد زمن لذلك!
هناك تحالُفٌ عملي الآن بين روسيا وإيران وتركيا في سوريا. ويبدو أنه في مقابل هذا التحالف، ومن ضمنه التقدم في الغوطة وإدلب؛ فإن تركيا مسموحٌ لها بالتقدم إلى عفرين، خصوصاً أن ذلك يزعج الولايات المتحدة. وهو انزعاجٌ قد يصل إلى حدود الاشتباك إذا تقدمت تركيا إلى منبج.
لماذا بدت السياسة الأميركية في سوريا مختلفة، في الشهور الأخيرة؟
العامل الأول في التغيير النسبي يعود إلى زيادة التنافُر مع موسكو. فقد اعتبر الروس أنّ سوريا صارت لهم في مقابل التنسيق مع أميركا وإسرائيل في جنوب سوريا، من الحدود الأردنية وإلى الجولان، خصوصاً أنه في مقابل ذلك الانسحاب الأميركي من سوريا، ومنذ أيام أوباما، كان ينبغي أن يتقدم الحلُّ السياسي في جنيف، وهو ما لم يحصُل. ولذلك، فإن أميركا وقفت مع المعارضة السورية في موقفها من مؤتمر سوتشي. فالولايات المتحدة أياً تكن انسحابيتها من الملف السوري، لا تستطيع الاستمرار في ذلك، ما دامت لا تستطيع تحمل الإخلال بالتوازن الاستراتيجي، ولو في ساحة جانبية مثل سوريا.
العامل الثاني: الموقف من الأكراد؛ فقد حصل إخلال بهيبة الولايات المتحدة عندما تخلّت عن بارزاني في العراق، وقد أفاد من ذلك الإيرانيون والأتراك، خصوصاً أن واشنطن بذلت جهوداً في العراق، أكبر بكثيرٍ من جهودها في سوريا. ولذلك، فقد أرادت واشنطن إظهار صلابة وصمود مع أكراد سوريا، لكي لا تزداد سمعتُها سوءاً. ثم إن أكراد سوريا حققوا تحت لواء الولايات المتحدة إنجازاتٍ كبرى، وذروتها استعادة الرقة من «داعش». وفي وسع واشنطن، وقد صارت منطقة شمال وشرق سوريا بنفطها ومياهها رهينة لديها، أن تستخدم ذلك في مساوماتها مع موسكو.
والعامل الثالث: إقبال الولايات المتحدة في عهد ترمب على محاصرة النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان... في لبنان لجهات التمويل والإدارة. وفي سوريا لجهة الإبقاء على المعارضة في وجه بشار الأسد والإيرانيين، بحيث تكون الانسحابات متبادلة إذا تقدمت ورقة الحلّ السياسي.
العامل الرابع: استحداث توازُن من نوعٍ ما على الساحة السورية من طريق دعم المعارضة السياسية والأُخرى المسلحة، وطمأنة الأكراد، وطمأنة إسرائيل. وهذا الأمر يطمئن «الحلفاء» المفترضين، بدلاً من أن يضيع هؤلاء مثلما أضاعت أميركا تركيا، ومثلما ستضطر إسرائيل إلى الاعتماد على بوتين، ويضطر الأكراد السوريون للتعاون مع الروس والنظام قبل أن يؤونَ الأوان.
ولذلك كلّه، وكما سبق القول، تبدو الولايات المتحدة مصممة على أن يكون لها دورٌ في الحل السوري أو تستمر الحرب، بدلاً من حدوث خسارة كاملة في العوامل والنقاط التي ذكرناها. ثم إن قواتها في سوريا (أكثر من ألفين) ستزيد ولن تنقص. وهناك نوعٌ من التحدي لروسيا ولتركيا في تسليح الأكراد وتسليح المعارضة (إسقاط الطائرة الروسية، وتدمير الدبابات التركية)، والإصرار على «جنيف» والتقليل من شأن «سوتشي». وزيادة الحملة على الروس وعلى النظام في القصف العنيف على إدلب وعلى الغوطة، وفي الاتهام بالكيماوي، وفي التشهير بتركيا، وفي تهديد إيران بسوء العواقب.
لماذا قلنا في العنوان إن هناك انفراداً أميركياً؟ لأن روسيا لديها تحالف مع إيران وتركيا في سوريا؛ بينما تُطل أميركا برأسها وحدها، لأن الأوروبيين لا يدينون الحملة التركية على عفرين بقوة، ولا يشهّرون بالقصف العنيف على إدلب والغوطة باستثناء فرنسا. وإنما يكتفون بالتركيز على الملف الإنساني والملف الكيماوي. إنما من جهة أخرى؛ فإن روسيا تبدو في موقع الدفاع في مجلس الأمن منذ أكثر من عامين. فحلفاء الولايات المتحدة هم الذين يتقدمون بمشروعات القرارات، وروسيا هي التي تستعمل «الفيتو». وما انخذلت الولايات المتحدة في مجلس الأمن أخيراً إلا في ملف القدس. وسيزداد انخذالُها بعد أن تتبين معالم «صفقة القرن» التي يُعِدُّ لها ترمب، وقد لا يملك الفلسطينيون إلا رفْضها رغم نصيحة الأوروبيين لهم بالتريث!
إن هناك اليوم شعبين عربيين يعانيان أشد المعاناة: الشعب الفلسطيني، الذي تقف الولايات المتحدة في مواجهته مع الصهاينة، والشعب السوري، الذي يقف في مواجهته الإيرانيون وميليشياتهم بالقتل والتهجير والاستيلاء والدعم الروسي. هل يشكّل ذلك تعادُلاً؟ بالطبع لا. وذلك لأن الطرفين الكبيرين في الصراعين الهائلين، إنما يخرجان على القرارات الدولية، وعلى الحسّ الإنساني السليم، وكلٌّ لمصلحة استراتيجية، لا علاقة للشعبين ولمصالحهما بها. وبذلك؛ فروسيا ليست مع الفلسطينيين، وأميركا ليست مع السوريين... «واللهُ غالبٌ على أمْرِه ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يَعلَمون».

التعليقات

حسان الشامي
البلد: 
بيروت
09/02/2018 - 06:16

لو شاء ربك لجعل الناس كلها امة واحدة، ولو شأت الولايات المتحدة الأميركية لجعل روسيا وإيران وتركيا وكوريا الشمالية ملعب كرة قدم، فأميركا المسرح مسرحها والملعب ملعبها، فهي المدرب وهي صاحبة الأندية، وهي من ضخم قوة الديسم الروسي وجعلت منه دب مرعب، وهي من سمح لقوة إيران النووية أن تتضخم وجعلت منها القوة المخيفة المرعبة للمنطقة والعالم، وفي الحقيقة إيران شعبها أغلبه فقير وتحت خط الفقر، ولا تملك إلا أسلحة روج لها على إنها نووية وفي الحقيقة إنها (خردة) من مخلفات الاتحاد السوفيتي المنقرض إلى أبد الآبدين. وتركيا دليفري أميركي (انجرليك) قاعدة أميركية بتركيا وليس لتركيا قواعد بالولايات المتحدة الأميركية وهي أقزم واصغر من إن تكون كذلك. الحراك والتحرك والحركة. بكل من العراق وسوريا واليمن وصحراء سيناء ولبنان والبحرين وغزة وأفغانستان بامرة وخاضع ( للوكال

خالد الهواري
البلد: 
السويد
09/02/2018 - 08:20

وماذا بعد , ومتي سنشعر بالملل ونعمل علي فتح ثقب في جدار الجمود وتصلب شرايين الاحداث ؟ (اصبحنا حسب المقولة الشعبية مانبات فيه نصبح فيه ) نعيد استهلاك قدراتنا في سرد الماضي واسقاطه علي الواقع وتفسير مايفسر نفسه بنفسه , نمارس هواية السير السياسي وعرض الافكار ونحن واقفين في اماكننا , تكونت افكارنا السياسية منذ ان تعلمنا قراءة حروف الابجدية علي ان امريكا تدعم اسرائيل وان الاخيرة لاتذيد عن كونها ولاية من الولايات الامريكية وان اللوبي الصهيوني هو المحرك الحقيقي لسياسات البيت الابيض رغم اختلاف الاداراة السياسية والرئيس خيال الظل الذي يجلس خلف المكتب البيضاوي , وحاصرتنا في كل المنابر السياسية ان روسيا تعمل من اجل مصلحتها وهي علي الاستعداد ان تنقلب في مواقفها من اجل تحقيق اهدافها واخذنا نضرب الامثال علي الغدر الروسي بصدام حسين ومن بعده معمر القذافي

خالد الهواري
البلد: 
السويد
09/02/2018 - 08:31

اصبحت سوريا الان تقترب من المنافسة علي عدد الكلمات التي استهلكناها من اجل فلسطين والندوات التي زعقنا فيها من اجل عروبة القدس ومعارك الميكرفونات التي صال وجال من فوق المنصات فيها الابطال من ورق , مانفعله اننا نقوم بدور المحلل لكل جريمة تحدث ضد بلد عربي نملئ مساحات الصحف والمجلات ونستهلك وقت الفضائيات ومن قبلها اجهزة الراديو لنعلن المظلومية تحسرا علي واقع لانجرؤ علي ان نغيره للافضل او ان نحركة قيد انملة علي طريق تحرير شبرا واحدا من الاراضي العربية والعواصم التي تسيل فيها الدماء سواءا بتواطئ حكامها او بسقوطهم في هوة الجهل والضلال والبحث عن الزعامة في عالم عربي يعاني من الانفصام في الشخصية الم يصيبنا الملل بعد ونشعر بالشفقه علي تاريخنا وعلي الاجيال التي نحكم عليها الدوران في الدائرة

خالد الهواري
البلد: 
السويد
09/02/2018 - 08:41

عندما اعلن ترامب نقل السفارة الامريكية الي القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة اسرائيل علي الرغم ان العرب حتي لو سئلت الاطفال في المهد سيقولون انه لاتوجد دولة اسمها اسرائيل , كنت اقرء القادم واعرف السيناريوهات التي تعيد نفسها بنفسها , مؤتمرات من نوع اثبات الذات والعنتريات وبيع البطولات علي البؤساء الذين لاحول لهم ولاقوة ويحتشدون تحت المنصات لسماع الابطال المزيفين والزعماء الذين لايملكون ان يهشون من فوق وجوههم ذبابة , سمعنا عن حشود بالملايين ستسير الي القدس لتحررها , عن طوابير من عشرات الاف الشهداء الاحياء الذين سيطيرون الي الجنة عبر بوابة المسجد الاقصي كنت اعرف ان المولذ السياسي العربي سينفض بلا حمص وانها جعجعة بدون طحين , نحن امة لاتجيد غير الكلام ولاتخوض غير حروب الكلام والعالم اصبح يطرب لشعاراتنا والحان الحماس التي نرقص عليها في كل مناسبة

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة