بند «التدخلات الإيرانية»

بند «التدخلات الإيرانية»

الاثنين - 2 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 20 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14237]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
يكفي أن يفتح وزراء الخارجية العرب خريطة العالم الذي ينتمون إليه ليتأكدوا أن اجتماعهم الطارئ في القاهرة أمس، كان مبرراً وضرورياً. فالحديث عن «التدخلات الإيرانية» ليس تهمة عابرة تفتقر إلى الأدلة. والإصرار على مناقشتها لا يدخل أبداً في باب التحرش أو التصعيد. إنه محاولة لبلورة إرادة عربية موحدة حيال التعامل مع واقع يومي ضاغط يعيشه العرب في مجموعة دول وخرائط. ولا يقتصر الأمر على الدول التي تتحرك الميليشيات المدعومة إيرانياً على أراضيها، ذلك أن مفاعيل مسلسل التدخلات تمس موازين القوى على امتداد المنطقة.
اللافت في هذه التدخلات هو أن طهران لا تحاول أن تنفيها. الصاروخ الذي استهدف الرياض يحمل توقيعاً صريحاً، ولا يحمل الحوثيون فيه غير صفة المنصة التي استخدمت في إطلاقه. وصور الجنرال قاسم سليماني يتحرك وسط المسلحين وبين دول الهلال لا تترك مجالاً للشك. وحديث جنرالات «الحرس الثوري» عن السيطرة على أربع عواصم عربية ليس مجرد هفوات أو مبالغات. وكلام الرئيس حسن روحاني نفسه عن المعبر الإيراني الإلزامي على مستوى المنطقة يستكمل الصورة.
«التدخلات الإيرانية» ليست حدثاً جديداً. سياسة «تصدير الثورة» هي بالدرجة الأولى إشهار لحق التدخل في شؤون الدول الأخرى. جديد التدخلات هو اتساع حجمها وتزايد خطورتها وعلانيتها، وما تحاول إحداثه من تغييرات عميقة في المسارح التي تستهدفها. تغييرات سياسية. وانقلابات في موازين القوى بين المكونات. وتغييرات ديموغرافية لضمان تكريس الملامح الجديدة.
«التدخلات الإيرانية» ليست جديدة. لكنها اتخذت بعد الدور الإيراني الصريح في اليمن منحى أكثر خطورة. الجديد في المقابل هو شعور الدول المستهدفة بأنها لم تعد قادرة على إرجاء تسمية الأشياء بأسمائها وتحويل هذه التدخلات بنداً ثابتاً في اللقاءات العربية والمحادثات مع القوى الدولية. الجديد أيضاً هو وجود إدارة أميركية لا تنام على حرير الاتفاق النووي الذي كان إنجازه هاجساً لازم باراك أوباما. فالإدارة الحالية أدرجت بند «التدخلات الإيرانية» في صلب علاقتها مع المنطقة ودولها وأزماتها.
وجديد «التدخلات الإيرانية» هو أن طهران لم تتعامل مع الاتفاق النووي كفرصة للعودة إلى احترام القوانين والمواثيق الدولية. يمكن القول إن ما حصل هو العكس تماماً. فبعد توقيع الاتفاق رفعت طهران وتيرة تدخلاتها في المنطقة وكأنها اعتبرت الاتفاق فرصة لا بدّ من اغتنامها وتوظيفها في خدمة مشروع «الانقلاب الكبير». وهكذا بدا المشهد غير مسبوق. إسقاط لحصانة الخرائط. وانتهاك للقوانين الدولية. وتحويل ميليشيات حليفة إلى جيوش صغيرة جوّالة تسقط أنظمة، وتمنع إسقاط أخرى بغض النظر عن مشاعر أهل تلك الخرائط المخترقة أو معظمهم. وزاد الأمر خطورة تشكيل ميليشيات صاروخية تستكمل الانتهاكات التي تمارسها الميليشيات باندفاعاتها البرية.
وجديد «التدخلات الإيرانية» هو أن مناقشتها جاءت بعد انحسار خطر تنظيم داعش الإرهابي. فقد أعاد انحسار هذا الخطر تسليط الضوء على حقيقة مفادها أن زعزعة الاستقرار لم تبدأ مع إطلالة «داعش» ولن تنتهي بانحسارها. وثمة من يعتقد أن سياسة زعزعة الاستقرار الإيرانية ذات العمق المذهبي كانت السبب في تصدع الوحدة الوطنية في أكثر من قطر عربي وأن «داعش» أطل من خلال هذه التصدعات.
ولأن المنطقة هي أيضاً منطقة ثروات وممرات حيوية للاقتصاد العالمي، تصاعد القلق الدولي من البصمات الإيرانية على الصواريخ والميليشيات معاً. فعشية اجتماع القاهرة تحادث دونالد ترمب وإيمانويل ماكرون حول وضع الشرق الأوسط. وقال البيت الأبيض إن الرئيسين «اتفقا على ضرورة العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة حزب الله وإيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة».
بلغت التدخلات الإيرانية حداً غير مسبوق. هذا الواقع أحرج حتى الدول التي تستعذب الإقامة في المناطق الرمادية، وتفضل علاج الجروح العربية بالعبارات العامة المكررة. صار من الصعب على أي وزير عربي العثور على تبرير للسلوك الإيراني أو على ذرائع لمنحه أسباباً تخفيفية. الصاروخ الإيراني على الرياض ومضمون استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قدما أدلة جديدة لمن لا يزال يبحث عن أدلة.
يفسر تصاعد التدخلات اللهجة التي استخدمها الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في افتتاح الاجتماع. ويفسر أيضاً اللهجة الحازمة التي استخدمها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير. لقد اتُهمت إيران في الاجتماع بانتهاج سياسات طائفية وتأسيس ميليشيات تابعة لها على الأرض العربية والتدخل في الشؤون الداخلية. وهذه الاتهامات كلها ترشح بند التدخلات لانتزاع الموقع الأول في جدول أعمال اللقاءات الإقليمية والدولية. ولا مبالغة في القول إن الموقف من هذه التدخلات سيكون عاملاً مؤثراً في العلاقات العربية - العربية وكذلك في العلاقات العربية - الدولية.
ثلاثة أطراف يجب أن تتوقف عند نتائج الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب. الأول هو إيران التي أدان المجتمعون سلوكها. والسؤال هو هل تريد أن تتعايش مع جيرانها العرب في الإقليم أم أنها تصر على محاولة إخضاعهم؟ إذا تمسكت بالخيار الثاني فهذا يعني أن رياح المواجهة ستشتد، وأن إيران ستواجه حالة من العزلة. الطرف الثاني هو «حزب الله» الذي يتحتم عليه أن يتبصر فيما طرأ على صورته لدى معظم العرب. لم تعد لهذه الصورة علاقة بالمقاومة ضد إسرائيل، بل صار ينظر إليه باعتباره منظمة إرهابية انطلاقاً من دوره في الانقلاب الإيراني. الطرف الثالث الرئيس ميشال عون الذي سيكون الخاسر الأكبر من استقالة سعد الحريري. لا معنى لوجود عون في قصر الرئاسة، وهو قائد سابق للجيش، إن لم يوظف موقعه ورصيده في الدفاع عن الحد الضروري من فكرة الدولة ومقومات وجودها والدفاع عن مصالح اللبنانيين.
ما لم تتخذ إيران قراراً سريعاً بوقف هجومها الشامل في الإقليم، فإن بند «التدخلات الإيرانية» سيكون عنوان المواجهة المقبلة وعنوان الاصطفافات. وسيكون البند نفسه عنوان التحرك في اتجاه مجلس الأمن، وسيترك بصماته على أوضاع الساحات المشتعلة وتلك المرشحة للاشتعال.

التعليقات

عصام السامرائي
البلد: 
العراق
20/11/2017 - 06:59

السلام عليكم استاذ غسان المحترم بعد التحية لاجديد تحت اشعة الشمس بخصوص تدخلات ايران بالمنطقة . لو كان العرب متحدين بالكلمة والموقف لما تمادت ايران اما بالنسبة لجامعة الدول العربية ماذا قدمت خلال خمسون عام غير الاستنكار والتنديد ؟؟؟

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
20/11/2017 - 07:59

النظام الإيراني ربما يعول على الروس في حال إنتهى الأمر إلى مجلس الأمن، حيث فقدت التغاضي الأميركي في الفترة السابقة وفقد مواقعه في أوروبا أيضاً خصوصاً بعد تجربته الأخيرة لصواريخ باليستية يصل مداها إلى 2000 كلم قادرة على ضرب العمق الأوروبي وإن لم يقم بذلك النظام الإيراني بنفسه ولكن ربما عن طريق وكلائه مثلما حدث من منصة اليمن مؤخراً فله منصة أخرى في لبنان أيضاً، اللبنانيون قد لا يستشعرون الخطر المحدق بهم الآن ولكنه آت لا محالة إن لم ينجحوا في تحييد بلدهم وإبعادة عن الصراعات الإقليمية والدولية التي يسعى نظام طهران حثيثاً لزجه في آتونها، اللبنانيون ليسوا بأعز على إيران من اليمنيين الذين يواجهون شتى أنواع الكوارث وهذا ما "فهمه" سعد الحريري قبل غيره من الشركاء في لبنان فالصاروخ الذي أُطلق على الرياض من اليمن قد يتم إطلاقه من لبنان إلى مكانٍ آخر.

رشدي رشيد
20/11/2017 - 08:21

خير الكلام ما قل ودل. ان استهتار ايران بالعرب وتدخلاتها السافرة لها دلالة واحدة وهي ضمانها للدعم الغربي والشرقي.

سيف السعدون
20/11/2017 - 18:22

كلام السيد رشدي رشيد ينطوي على كثير من الصحة؛ فالدول الكبرى ترى وتبحث في الصراعات الاقليمية في الشرق الاوسط عن مصالحها، ولكنها لا تسمح لنفسها ان تكون مضمونة لمصلحة أي طرف، واول المصالح هو بيع السلاح الذي قد يرجح كفة احد المتصارعين مؤقتا بهدف الضغط على الطرف الآخر. وهناك اساليب اخرى للضغط على الاطراف كما قام به الرئيس السابق باراك اوباما، الذي كان يعي تماما أن الاطراف العربية لا توافق على اتفاقية التطوير النووي مع ايران، ولكنه فتح صفحة مخيفة معها يضمن فيها لجوء هذه الدول الى امريكا لتحميها من القدرة النووية لإيران بعد مرور عشرة سنوات؛ وهي ليست فترة سماح وفرصة للعرب ليتعادلوا مع ايران في التسليح النوعي، وانما فترة ضغط عليهم، استغلها خلفه دونالد ترمب بذكاء وصراحة غير مألوفة. صراعات امريكا وروسيا في المنطقة تنسحب على صراعات الدول الاقليمية فيها

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
20/11/2017 - 19:27

مقال رائع جدا . لقد تسنى لي الاطلاع على نص قرار مجلس الجامعة العربية المنشور في صحيفة الشرق الاوسط بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر ) ولا شك ان هذه القرارات هي الشروع العملي بالمرحلة الجديدة للصراع العربي الايراني في ظل نظام الملالي وهنا اوجه التحية لكل المساهمين في صياغة نصوص القرارات .وجدير بالذكر هنا ان الدول العربية اجمعت على الدور الاجرامي لنظام الملالي كما اجمعت بضرورة تحجيم حزب الله خارج لبنان. وهذا يعتبر تطور بالنسبة للعراق ولبنان فكلاهما لم يعترضا على البند 9 من القرارات كما ان العراق لم يعترض على البند 4 ، 10 ،11، 12 وفيه ادانة واضحة لطهران كما لم تعترض لبنان على البند 7 ، 10 ،11،12 . وهو تطور لايمكن تجاهله في نجاح الستراتيجة العربية الجديدة كما ان العراق ولبنان لم يوفد كلاهما وزارء الخارجية لتجنب الاحراج " هناك تكملة"

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
20/11/2017 - 19:33

امام ايران. ولابد اليوم من استثمار ذلك دبلوماسيا و سياسيا واقتصاديا لتحريرهما من الهيمنة الايرانية اضافتة الى الضغوط الدولية . إن الدعوة بمخاطبة رئيس مجلس الامن حول الخروقات الايرانية هو التصرف الصحيح الذي كنا ننتظره من الجامعة العربية. واعتبر أن هناك اليوم عقلية عربية واعية ومدركة للخطوات القادمة ونتمنى لها التوفيق .تحية للكل المخلصين والشرفاء.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة