ارحموا هؤلاء الحالمين!

ارحموا هؤلاء الحالمين!

الثلاثاء - 4 صفر 1439 هـ - 24 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14210]
في وقت من الأوقات، كنت شخصاً «حالماً».
بالتأكيد بمرور الوقت أصبحت صديقاً للمؤسسة الأميركية، على الأقل على المستوى المتوسط. وفي عهد إدارة الرئيس السابق رونالد ريغان، عملت مستشاراً رفيع المستوى لمندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وفي وقت لاحق عملت نائباً لمساعد المحامي العام في مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل.
إلا أنه قبل ذلك بفترة ليست بالطويلة؛ لم أكن سوى مهاجر غير شرعي. وكنت مختلفاً بعض الشيء عن أولئك الذين يحملون وصف «حالم» اليوم، وهم الـ700 ألف تقريباً الذين ربما يتعرضون قريباً للترحيل من جديد لمجرد أنهم دخلوا إلى هذه البلاد برفقة آبائهم وأمهاتهم عندما كانوا أطفالاً.
بالنسبة لي، بدأت الرحلة عندما كنت في عمر الخامسة على متن السفينة «يو إس إس بيرشينغ» في ديسمبر (كانون الأول) 1950، التي حملت ناجين من المحارق النازية (الهولوكوست) وأقاربهم إلى ميناء نيويورك. كان لدى والديّ فيزا دخول إلى الولايات المتحدة صدرت أثناء وجودهما بمعسكر للمشردين في ألمانيا؛ المعسكر الذي لاذا به تحت حماية الولايات المتحدة والأمم المتحدة بعد الحرب. بيد أن المشكلة كانت أن تلك الفيزا لم تكن تخصهما، وإنما تخص أسرة حصلت عليها، ثم بدلت رأيها وقررت الهجرة إلى مكان آخر.
تبعاً للفيزا، جرى تحديد هويتي على أنني شخص مختلف يكبرني بعام. وانتحل والداي أيضاً هوية مزيفة. لو لم يفعلا ذلك، لكانت السلطات رفضت دخولهما البلاد، خصوصاً أنه ليس لهما من يرعاهما، وكانت الحصة التي حددتها الولايات المتحدة من اللاجئين محدودة للغاية. إلا أنهما نجحا في نهاية الأمر في دخول الولايات المتحدة بوصفهما مهاجرين غير شرعيين. أما أنا، فلم أكن واعياً بوضوح بهذه الحقيقة خلال فترتيْ الطفولة والشباب، لكن كنت مدركاً وجود أمر غير صائب تماماً.
وأتذكر عندما اصطحبني والدي ووالدتي وكنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمري إلى متجر «كلين» في مانهاتن. وأثناء خروجنا، صاح رجل يقف بجوار عربة لبيع الساندويتشات باتجاه والدي ونادى عليه باسم لم أسمعه من قبل. كان هذا الاسم السابق لوالدي، وبمجرد أن نمى إلى مسامع والدي، شحب لون وجهه ودفعني جانباً لخشيته من استماع مسؤول في الهجرة إلى الحديث الذي دار بينه وبين الرجل. في الواقع، لقد عاش والدي في حالة خوف مستمر.
وعندما بلغت الثالثة عشرة قرر والدي أنني عشت في ظل هوية مزيفة لما يكفي من الوقت. وبمعاونة محامٍ متخصص في قضايا الهجرة، توجه إلى إحدى المحاكم، وتقدم بطلب إلى قاضٍ بدا عليه التعاطف معنا للحصول على المواطنة الأميركية بأسمائنا الأصلية الصحيحة.
في الواقع، كنا محظوظين، ووافق القاضي على الطلب. إلا أنه كان من الممكن أن يرفض ويأمر بترحيلنا، أو ربما كان والداي ليخافا من الإقدام على هذه المخاطرة من الأساس خشية الترحيل، ويقررا الاستمرار في إخفاء هوياتنا الحقيقية.
ولو أنهما اتبعا هذا المسار، لكنت أنا اليوم في عمر الثانية والسبعين عرضة للترحيل بجانب مئات الآلاف من الحالمين الأقل من نصف عمري. الملاحظ أن قانون الهجرة لا ينص على قيود، ويجري التعامل مع الترحيل بوصفه أمراً مختلفاً عن العقاب.
ومع ذلك، يبقى الترحيل بمثابة عقاب مؤلم بالتأكيد، خصوصاً بالنسبة لشخص لم يعرف له وطناً آخر غير الولايات المتحدة ولم يقترف إثماً سوى تشبثه بيدي والديه. وحتى إذا لم يتعرضوا للترحيل، فإن حالمي اليوم يبقون عرضة لمواجهة حرمان بالغ، بما في ذلك تعرضهم لقيود حول قدرتهم على العمل والحصول على تمويل للالتحاق بالجامعة.
ولهذا، أشعر بأنني أقف في صف واحد مع حالمي اليوم الذين يواجهون خطر الحرمان من الحياة التي ألفوها، وشحنهم إلى بلاد بعيدة لا يكادون يعرفون عنها شيئاً. في ظل حظ أقل، ربما كنت لأجد نفسي في الموقف ذاته.
* خدمة «واشنطن بوست»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة