مقارنة بالنصر الانتخابي الذي حققه دونالد ترمب أو التصويت حول «البريكست» أو حتى ترشح ماري لوبان للرئاسة الفرنسية، تبدو نتائج الانتخابات الألمانية التي تعقد اليوم 24 سبتمبر (أيلول) مملة بالتأكيد. ويبدو أن المستشارة أنجيلا ميركل في طريقها للاستمرار في فترة ولاية تبلغ 12 عامًا. وكشفت أحدث استطلاعات الرأي، أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الخاص بميركل والمنتمي لتيار يمين الوسط متقدم بنسبة تقارب 36% من الأصوات - متقدمًا بفارق كبير عن أقرب منافسيه، الديمقراطيين الاشتراكيين.
وربما تأتي الصدمة الكبرى عندما يصبح حزب «البديل من أجل ألمانيا» أول حزب قومي متطرف يدخل البرلمان الألماني منذ خمسينات القرن الماضي.
ويبدو هذا أمرًا مثيرًا للقلق، ذلك أن «البديل من أجل ألمانيا» حزب من العنصريين ومن ينفون مسألة التغييرات المناخية والديماغوغيين الذين يعتقدون أنه ينبغي على ألمانيا التوقف عن تقديم تعويضات عن ماضيها العنصري. ورفع سياسيو الحزب شعارات مثل «ألمانيا من أجل الألمان»، بل وحملت إحدى لافتات الحزب عبارة تقول: «برقع؟ نحن نعشق البكيني!»
ومع حصول الحزب على نسبة تتراوح بين 8% و12% في الانتخابات، يبدو أن اليمين المتطرف الألماني قيد الاحتواء على نحو أكبر بكثير عن الحال مع نظرائه داخل الدول المجاورة النمسا وبولندا وفرنسا. إلا أنه من أجل التعرف على كامل التهديد الصادر عن اليمين المتطرف خلال هذه الانتخابات يتحتم على المرء النظر لما وراء نتائج الانتخابات، ذلك أنه من الواضح أن المشهد السياسي الألماني بأكمله يشهد تغييرًا.
منذ تأسيسه عام 2013. نجح «البديل من أجل ألمانيا» في المشاركة في 13 انتخابات برلمانية من أصل 16 وذلك على مستوى الولايات. وقد خسرت جميع الأحزاب الكبرى أصوات لحسابه. على سبيل المثال، خلال انتخابات ولاية بادن فورتمبيرغ عام 2016. حصد «البديل من أجل ألمانيا» 190.000 صوتًا من الحزب المسيحي الديمقراطي، بينما 10% من الأصوات التي حصدها داخل ساكسونيا انهالت من الحزب اليساري الألماني. وحتى في الوقت الذي تشهد ألمانيا تراجعًا كبيرًا في معدل إقبال الناخبين على التصويت خلال العقود الأخيرة، نجح «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في تعبئة أعداد ضخمة من أفراد لم يسبق لهم التصويت.
وفي محاولة لاحتواء الحزب، عمدت الحكومة وأحزاب المعارضة الكبرى دغدغة مشاعر العداء للمهاجرين، ما سمح لآيديولوجية «البديل من أجل ألمانيا» بصياغة المشهد السياسي الألماني والخطاب السائد بوسائل الإعلام. وتجلى هذا التحول في المناظرة التلفزيونية التي جرت في وقت سابق من الشهر عندما وقفت ميركل في مواجهة مارتن شولتز، الذي يتزعم حزب المعارضة الرئيسي، الديمقراطيين الاشتراكيين، ذلك أن أكثر من ثلث المناظرة تركز على قضية الهجرة ـ تحديدًا المشكلات المتعلقة بها.
وقد ساعد القائمون على إدارة المناظرة ـ وجميعهم من الصحافيين المخضرمين ـ في تحديد نبرة عامة للمناظرة معادية للإسلام عبر إلقاء أسئلة من عينة «هل تعتبر الهجرة تهديدًا للمجتمع الألماني؟» و«هل ثمة صعوبة أكبر في دمج المهاجرين القادمين من دول مسلمة؟» وطرح أحد القائمين على إدارة المناظرة سؤالاً حول: «متى سيرحل هؤلاء الأشخاص؟» وقد حاول كلا المرشحين طرح رؤية تشكل حلا وسطا بين احترام الاعتبارات الإنسانية وواجب فرض القانون والنظام بصرامة. واتفق كلاهما على ضرورة تعجيل إجراءات الترحيل.
إلا أنه لم يمر وقت طويل حتى حلت ثقافة الترحيل محل «ثقافة الترحيب» التي أطلقتها ميركل، الأمر الذي يعود السبب فيه جزئيًا إلى اليمين المتطرف. جدير بالذكر أنه عام 2015، تحول «البديل من أجل ألمانيا» من موقف مناهض للاتحاد الأوروبي إلى آخر معادٍ للهجرة. وفي سبتمبر من ذلك العام، حصل الحزب على نسبة دعم بلغت 16% في إطار أحد استطلاعات الرأي.
من جانبه، اشتكى ألكسندر غولاند، مرشح «البديل من أجل ألمانيا»، من أن الديمقراطيين الاشتراكيين «يسرقون» مواقف حزبه «لتشتيت الأنظار بعيداً عن فشلهم في كسب تأييد الناخبين».
واللافت أن كريستيان ليندنر، زعيم الحزب الديمقراطي الحر صاحب التوجهات الليبرالية الجديدة، وليس سياسيا يتبع «البديل من أجل ألمانيا»، هو من أجرى مقابلة هذا الشهر مع صحيفة «بيلد» ونشرت تحت عنوان «يجب على جميع اللاجئين العودة!» وأكد ليندنر أنه يتعين على طالبي اللجوء السياسي مغادرة ألمانيا في أسرع وقت طالما أن أوطانهم آمنة. وقال: «ليس من بين حقوق الإنسان ما يخول للمرء اختيار موقعه على خريطة العالم».
اللافت أنه حتى الأحزاب اليسارية أصابها التحول ذاته. على سبيل المثال، فإن حزب الخضر الذي لطالما اشتهر بكراهيته للشرطة، يدعو حالياً إلى زيادة أعداد ضباط الشرطة.
* خدمة «نيويورك تايمز»
TT
الانتخابات الألمانية المملة نصر لليسار
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
