TT

القائد الخادم

ربما اعتاد الناس أن يسمعوا المثل الشعبي الشهير «صغير القوم خادمهم»، لكن أن يكون القائد نفسه خادماً لأتباعه فهذا ما يثير نوعاً من الاستغراب لأول وهلة. غير أن هذا ما نسميه في نظريات الإدارة بـ«القيادة الخادمة» أو Servant Leadership، فهي تخالف المفهوم السائد بين الناس من أننا جميعاً كأتباع أو مرؤوسين في خدمة ذلك القائد الهُمام!
هذه النظرية التي تبدو متناقضة لكونها تضم كلمتي «قيادة» التي ترمز إلى القوة والتأثير وبين «الخادم» وهي رمزية لشخص يتبع من هو أعلى منه، قد برزت في كتاب شهير للباحث غرينليف (1970) وقد أثارت الباحثين فبدأوا بتطبيقها في أماكن عدة حول العالم.
وما يؤلمني أن يستنكف البعض من أن يكون القائد خادماً، وذلك في انتقاص شديد من مهنة الخادم، فالخادم هو أيضاً يمكن أن يتحلى بالتفاني مثل غيره. وكذلك القائد الذي هو في الأصل جاء ليخدم مرؤوسيه أو رعيته. والقائد يقدم خدمة جليلة لأتباعه حينما قبل أصلاً بتحمل أعباء المسؤولية وتداعياتها ليبحر بهم كربان السفينة إلى بر الأمان.
وتقوم نظرية القيادة الخادمة على عشر صفات؛ منها حسن الإنصات، وهي أن يرهف القائد سمعه جيداً لكي ينظر للأمور من منظورنا نحن، حرصاً على تفهم وجهة نظرنا. ومن صفاته أيضاً مقدرته على «التعاطف» empathy وشتان بينها وبين «العطف»؛ فالأولى تعني أن يضع نفسه مكاننا قبل أن يتسرع بالحكم علينا أو يأخذنا في دهاليز قراراته الفردية، ناسياً أو متناسياً أنه كلما علا منصب القائد كانت تداعيات قراراته أكثر فداحة. والتعاطف يختلف عن «العطف» sympathy لأن العطف فيه شيء من الفوقية كمن يربت على رأس طفل يجهش بالبكاء ثم يمضي!
ونحن نستغرب من مفهوم القائد الخادم لأننا قلما نرى في واقعنا العربي من يتحلى بصفاته مثل «الإقناع» و«بعد النظر» و«الوعي» و«الرغبة الصادقة في الإصلاح». وكلما رأينا نماذج من قياديين في شركاتنا ومؤسساتنا تركز على حماية نفسها على حساب خدمة أتباعها، تفاقمت معها معاناتنا. ولذا ينصح عادة في لجان اختيار القيادات أن يُعرف المرشح بتفانيه في خدمة أتباعه وأنه ليس ممن يخشى مرؤوسيه مهما صغرت مناصبهم لأنه دليل على ضعفه. فالقائد القوي يحتاج ثلة من الأقوياء من حوله ليتفانى في خدمة الناس.
بعض القياديين يكرس حياته المهنية لخدمة نفسه وينسى أنه جاء ليخدم الجميع أيضاً، فتجده ما إن يتعرض لنائبة من نوائب الدهر حتى ينفض الناس من حوله، لأنه لم يكن يوماً نصيراً لأحد، بل كان ديدنه تتبع عثرات الآخرين وزلاتهم.
صحيح أن هناك من لا يتفق علمياً، حتى الآن، مع نظرية «القيادة الخادمة»، لكن مفهوم القائد الخدوم سيبقى راسخاً في وجدان كل من يكن مودة لذلك المسؤول الذي أفنى حياته في خدمة من حوله، مصداقاً للحديث النبوي «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ للنَّاس».

[email protected]