إشكالية الكاتب مع العلاقات العربية المتوترة

إشكالية الكاتب مع العلاقات العربية المتوترة

الثلاثاء - 21 ذو الحجة 1438 هـ - 12 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14168]
غسان الإمام
صحافي وكاتب سوري
قبل أن أستغرق في موضوع اليوم، أود القول إن الأستاذ الباحث يعقوب يوسف الإبراهيم أفادني بأن الفريق عزيز المصري الذي تحدثت عنه في الثلاثاء الفائت، هو في الأصل من أسرة مهاجرة من البصرة إلى القفقاس في القرن الثامن عشر. ليس في معلوماتي ما يؤكد ذلك. لكن إذا كان صحيحاً ما يقول الأستاذ الإبراهيم، فيكون له فضل السبق في «تعريب» الفريق المصري.
أما الخلاف حول مَنْ المسؤول بين باشوات حزب «الاتحاد والترقي» عن نفي الفارس الجليل إلى مصر، فلا يعنيني في شيء. والمهم عندي أن الفريق عزيز المصري نصح جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار، بتبني عروبة مصر. والإيمان بالوحدة القومية العربية، كطريق لخلاص العرب من توجهات أضيق، كالطائفية. والمذهبية. والفارسية. والعنصرية. و«الإخوانية». و«الداعشية». و«القاعدية»... التي باتت اليوم تهدد عروبتهم. وكيانهم. ووجودهم. ودورهم الذي يجب أن يكون إنسانياً وحضارياً.
أترك للأستاذ الفاضل الإبراهيم والمؤرخين العرب فضل التنقيب في التاريخ العربي الحديث والقديم. فأنا مجرد كاتب صحافي يقف، أحياناً، كشاهد عيان، عند محطات في هذا التاريخ، لتعريف الأجيال العربية المتعاقبة بما جهلت به. فقد ساهمت الأنظمة في شطب تاريخ وأداء بعضها بعضاً.
ولعل القارئ المتابع لما ينشر في صفحات «الرأي» قد لاحظ أني ابتعدت منذ أسابيع عن التعليق على الأحداث والحاليات العربية الساخنة، ليس عجزاً عن متابعتها، أو إغفالاً لما قد ينجم عنها من تطورات ومفاجآت أكثر سخونة وخطراً، إنما لأتجنب الحساسية الإعلامية المتزايدة لدى بعض الأنظمة، إزاء ما يكتبه الكتّاب والمعلقون.
بعض هؤلاء الكتّاب - وأنا منهم - يلتزمون سياسات ومواقف الصحف التي يعملون فيها. فهم يرون فيها المواقف الأنسب لخدمة العرب ومصالحهم وقضاياهم. لكنهم يعتقدون أن بالإمكان الافتراق قليلاً عنها في أسلوب عرض وتقديم آرائهم.
لماذا أرى هذا الافتراق الضئيل ضرورياً؟ لأن الإعلام المباشر لم يعد مناسباً لخدمة السياسات العربية. فقد باتت التعليقات الصحافية والتحليلات السياسية، مطابقة تماماً للتصريحات والبيانات الرسمية!
هذا التطابق التام لم يعد مقنعاً للقارئ العربي المتردد. فهو اليوم أكثر وعياً. وأشد انتباهاً للمواقف الرسمية المتناقضة. وإذا لم يجد الكاتب الملتزم الذي يقدم له رأياً مختلفاً من حيث تقنية العرض والأسلوب، فهو يتحول إلى صحيفة أخرى أكثر تحرراً من القيود. أو يغرق بمتعة التسلية المتوفرة في التلفزيون. والفيديو. ومواقع الوصال الاجتماعي التي تقدم له شرذمة من الآراء السامة المضادة لمصلحة الرأي العربي العام.
كنت من بين الصحافيين والكتّاب الذين كتبوا وانتقدوا ما أقدم عليه صدام وهو في ذروة قوته. ليس لأني أعمل في «الشرق الأوسط»، لكن لإيماني بأن الوحدة لا يمكن فرضها بالقوة. والغدر. ونقض العهد والوعد الذي بذله صدام للعرب. ولعرب الخليج بالذات، بعدم الغدر بهم، قبل أن يقدم على شن حربه ضد إيران في عام 1980.
عملت في «الشرق الأوسط» منذ 28 عاماً كاتباً مواظباً، مع ذلك لم يحدث أن تسببت بمشكلة للصحيفة مع أية دولة عربية. بل لم يسبق لي أن زرت مكاتبها في لندن. ولم أعرف إلى الآن أحداً من الزملاء العاملين فيها.
مع انطفاء الصحافة اللبنانية المستقلة، تبدو إشكالية سائر «الصحافات» العربية في الدعم الرسمي المتزايد لتمويلها. وبالتالي تأثرت حريتها بحرص المسؤول السياسي على عدم توريط الصحف له بمشكلات وأزمات مع أي دولة عربية أو أي دولة أجنبية كبرى، لا سيما في هذه المرحلة السياسية المتوترة التي تجتازها العلاقات العربية والإقليمية.
وكلما ازدادت هذه العلاقات توتراً وخطراً، فقدت الصحافة شبه الرسمية والحكومية جانباً متزايداً من قدرتها على الحركة. وتناول القضايا العربية الشائكة والمتشابكة بحرية أوسع. وعلى سبيل المثال، اضطرت الصحيفة التي كنت أعمل فيها إلى حجب الزاوية الناقدة والساخرة التي كنت أقدمها أسبوعياً. ولم يعد رسام الكاريكاتير العربي فيها قادراً على رسم الشخصيات السياسية والعامة، لأنها أصبحت أكثر تعالياً. وأشد إمساكاً بالسلطات والصلاحيات بقبضاتها. وأوسع جرأة على التهديد. والاحتجاج. وإثارة الأزمات، ضد أي نقد أو دُعابة توجهها أية صحيفة في دولة شقيقة قريبة أو بعيدة.
ثمة أنظمة رأت حلاً وسطاً لتدخل المسؤول السياسي مباشرةً في الصحف التي تصدرها وتمولها، وذلك بتكليف شخصيات سياسية أو إعلامية. أو هيئات تحرير، لتتحمل مسؤولية النشر، من دون رقابة صارمة على الإعلام.
لا أدري إذا كان هذا الحل الوسط سينجح في تجنب الحذف. والشطب. والتعديل في النص. والتدخل في أسلوب الكاتب، لتغيير مفرداته التي ألف استخدامها، منذ عشرات السنين.
أكرر الشكر للأستاذ الإبراهيم، في حرصه على تعريب الفريق عزيز المصري. وآمل أن تنشر «الشرق الأوسط» تفاصيل بحثه عن الأصول العربية لهذه الشخصية الفريدة المناضلة. وخلافه مع باشوات «الاتحاد والترقي» الذين حاولوا تتريك العرب واللغة العربية.

التعليقات

ابو الياسر
البلد: 
ماليزيا
12/09/2017 - 07:28

عفوا استاذي الحياد في قضية مثل مكافحة الارهاب ليس ايجابيا , الكاتب عليه مسؤوليه كبري واستغرب والحقيقة لاافهم ان تنشر الشرق الاوسط اليوم في مكان صغير في زاوية القراء مقالا معنونا باسم الاستاذ خالد الهواري الكاتب المصري المهاجر في السويد وهو مقال كان يستحق ان يتصدر صفحة الراي خاصة في هذه الازمة التي تمر بها المنطقة و اعتبره بعد قراءتي لما كتبه جنديا يحمل السلاح في خندق محاربة الارهاب وفي نفس الوقت يحرمنا كاتب مثل حضرتك من معرفة موقفة في الحرب التي تقودها الان الدول العربية لتجفيف منابع الارهاب في قطر , تحياتي لحضرتك وانا من المتابعين والمحبين لكل كتاباتك وارجوا ان تتقبل وجهة نظري بصدر رحب

عبدو خليفة
البلد: 
ارض الله
12/09/2017 - 08:53

نصيحة من قبل الفريق عزيز المصري جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار، بتبني عروبة مصر. والإيمان بالوحدة القومية العربية، كطريق لخلاص العرب. كانت خطأ وغلط، لأن فيها تفرقة ما بين شعوب الأمة الواحد أمة لا إله إلا الله.
إن اتخاذ الروابط القومية طريقا للتحرير والنهضة بالنسبة للمسلمين عربا وعجما أمر خطأ، لأن مشروع إحياء القوميات مشروع أجنبي دخيل على المجتمع الإسلامي، وهو من نتائج الغزو الفكري من قبل الغرب، بقصد تفتيت أمة الإسلام الواحدة إلى قوميات متعددة، وجعلها لقمة صائغة يتناوله وقت ما يريد.

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
12/09/2017 - 11:26

ليست إشكالية ولا يوجد فيها مشكلة أن يكتب الكاتب أو يعلق المعلق على العلاقات العربية المتوترة ، وخاصة الأخيرة في مجلس التعاون الخليجي وبما يسمى أزمة قطر ، وأن يسلط الكاتب الضوء على الحقائق التي تبيت والتي كانت مخفية عن الدور القطري التخريبي في الجسم العربي وأخيراً في الجسم الخليجي وإنصفافها وراء إيران ومرتزقتها في الدول العربية ، كنا نتطلع لمجلس التعاون الخليجي أن يكون نموذجا يتحذى به في عالمنا العربي بعد فقد الأمل في الجامعة العربية ودورها في تمزيق وليس جمع العرب ، ولم نكن ندرك أن قطر سوف تكون رأس الحربة في تحويل هذا التعاون إلى تعارك خليجي وللأسف وهذا الواقع حالياً ، فهل هناك بعد إشكالية لأي كاتب أن يكتب بطريقة صحيحة وواقعية عما تقوم به قطر ونظامها التخريبي الذي يدعم الإرهاب في سوريا وغيرها من السوريات العربية ...

د. خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
12/09/2017 - 11:35

يجب علينا كتاب ومعلقين أن نقف بجانب الحقيقة ونقف بجانب المملكة العربية السعودية وسياستها الصحيحة تجاه كل القضايا والـأزمات وخاصة الأخير ة منها والحصار التي فرضته الدول الأربعة على نظامها وفرضها الشروط اللازمة لرفع الحصار وعودة النظام القطري إلى جادة الصواب ، وللعلم فإني من عشرات السنيين متابع لجريدة الشرق الأوسط وأعلق بكامل حريتي ورأي الشخصي وأستطيع أن أوكد لك أنه لم يتم تعديل أي تعليق أو حذفه أو عدم نشره ، وبالرغم من كل ذلك فإننا يجب أن نكون ملتزمين إلى حد ما في السياسيات والإجراءات المتبعة في الجريدة ولكن للأمانة فإن الجريدة التي تكتب بها تستحق الثناء والشكر ولكل القائمين عليها والشكر موصول لك .

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة